شروخ وجروح عربية
«حماس» تتحمل مسؤولية كبرى. السلطة الفلسطينية تتحمل مسؤوليات أخرى. الحكومات العربية تتحمل مسائل ومسؤوليات كبيرة بعد تمكن قوى إقليمية من اختراق الصف العربي وتفكيكه وتشتيت جهوده، وعدم القدرة على لجم دول وحركات عربية.
أطفال ونساء غزة يموتون يومياً، وخالد مشعل قادم من دمشق لا من غزة، يزايد في الدوحة على جثث الأبرياء لكسب قلب الحليفين السوري والإيراني، بعد أن خلق انقساماً في القرار العربي، وأحدث قبله شرخاً فلسطينياً كبيراً وأدخل القضية إلى غرفة «العناية المركزة».
لا مشكلة مع عقد القمم أو الاجتماعات العملية التي تقدم حلولاً وتوصيات قابلة للتنفيذ، لا «التفريغ». ما الجدوى من «اجتماع غزة» في الدوحة قبيل «قمة الكويت» بـ48 ساعة التي أعلن باكراً عن تقديمها خطة عمل عربية شاملة تضع «محنة غزة» على قائمة أولوياتها.
لماذا تريد قطر وسورية ترسيخ النفوذ الإيراني، وإدخاله إلى صلب القرار العربي، وكأنهما تسعيان إلى ضم طهران إلى جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي؟
الرئيس الإيراني أحمدي نجاد جاء الى الدوحة في مهمة لا تتجاوز إلقاء العبارات «الشعاراتية» ودغدغة المشاعر وإلقاء اللوم والسخط على دول عربية بعينها.
لماذا تصر «حماس» على تنفيذ مساعي دمشق وطهران ونياتهما الإقليمية «المكشوفة» لفتح جروح وشروخ «غائرة» في الجسم العربي؟
هل جلبت الدوحة «حماس» على ظهر طائرة خاصة، لإقامة حفلة خطابات ومطالبات استعراضية تنقلها قنوات فضائية تركز على الرئيسين السوري والايراني، من دون الاكتراث ببنود الجامعة العربية وتهيئة شروط النجاح لتحقيق تأثير عربي داخلياً وخارجياً؟
انتهى «اجتماع غزة» في قطر «صفراً»، وهذا ليس تحاملاً، بل هو تحليل. إذ أن أعلى سقف خرج به هو تجميد علاقات الدوحة ونواكشوط مع تل أبيب «موقتاً»، أي بعد إيقاف العدوان… ستعود «حليمة» لمكتبها.
ألم يكن بمقدور قطر وموريتانيا الإعلان عن ذلك في اجتماع وزراء الخارجية العرب في الكويت المتزامن مع اجتماع الدوحة، حتى تجبرا الآخرين على أن يحذوا حذوهما وفق إجماع عربي يقرب الفجوات ولا يفرق الطرقات.
أيضاً، سورية حضرت الى الدوحة، وهي لم تعلن وقف محادثات السلام مع إسرائيل بشكل نهائي، ويو القادرة على فتح جبهة الجولان، باعتبارها دولة مواجهة.
أليس ما حدث قمة «البؤس» بعد جُمل المزايدات والانتقاص من المواقف والجهود العربية؟! على ما يبدو أن ذاكرة بعض العرب ضعيفة، لا تكترث، مثلما الآلة العسكرية الإسرائيلية الإرهابية تغتال الأطفال الأبرياء من دون اكتراث.
الحركات العربية «المسيَّسة» تريد خطف الشارع العربي إلى «جحيم» الأزمات والمغامرات، لفتح صفحات جديدة للخسائر والهزائم «غير المحسوبة» والمزيد من القتل والإعاقة، بعد «نفخ» الشارع بكلمات «رنانة» وشعارات «طنانة».
كنت اتمنى النجاح لأي قمة تُخْرِج أهل غزة (الصامدين) من لهيب النيران، لكن على ما يبدو أن اجتماع الدوحة كرَّس الانقسام العربي، ولم ينجح سوى في استعراض فن الخطابة بوجود «الشعاراتيين» الذين أرادوا إفشال وإحباط «قمة الكويت» المتفق عليها خليجياً وعربياً.
حاولت «قمة الرياض» الطارئة تركيز الجهد وتوحيده، وإعادة اللُّحمة إلى البيت الخليجي لمواجهة التحديات الراهنة، بما يحقق وحدة الموقف الخليجي أولاً والعربي ثانياً، والانطلاق عملياً نحو تهيئة فرص النجاح لـ «قمة الكويت».
كان على قطر عدم تجاهل الإجماع الخليجي، خصوصاً بعدما شددت قمتا مسقط والرياض الخليجيتان على أهمية توحيد العمل الخليجي لإنجاح «قمة الكويت»، لا القفز عليها، في محاولة لعرقلة نجاح قمة تستضيفها دولة عضو في منظومة مجلس التعاون الخليجي وعضو في الجامعة العربية.
ربما تمنحنا «قمة الكويت» ضوءاً أخضر للتفاؤل، لكن لا تتوقعوا حلولاً مصيرية طالما أن «المراهقين» السياسيين يُصفَّق لهم من دون تقصّ لأهدافهم ونياتهم، ويُزايَد على مواقف الآخرين ويسخر منها بالشعارات والخطابات باسم المقاومة تارة، وباسم القومية «الوافدة» تارة أخرى.
مخطئ من يدَّعي النصر، وغزة تحترق وضحاياها يتزايدون صباح مساء. التاريخ لا يرحم.