خلفيات الحملة على سليمان
اعوام الخمسينات من القرن الماضي، كانت اعواما مميزة بالنسبة الى الحركات الوطنية في العديد من الدول العربية التي كان بعضها ما يزال يرزح تحت نير الاستعمار، ويشهد ثورات ومقاومة ضد الاحتلال الاجنبي، مثل دولة فلسطين ودول المغرب العربي، وبعضها كان حقق أهداف نضاله وثورته، وانتزع استقلاله وحريته مثل مصر والعراق.
وقد واكبت الحركة الطالبية في لبنان هذه الانتفاضات العربية بكثير من الدعم المعنوي والمادي لما كانت تتمتع به من انتشار وصلابة ووطنية، وقد دفع الطلاب اللبنانيون في تلك المرحلة اثمانا غالية بسبب مواقفهم هذه، تمثلت باستشهاد بعضهم وبإعاقة وجرح بعضهم الآخر، وبسجن وملاحقة عدد كبير منهم.
يمكن كتابة الكثير عن تلك المرحلة التي كنت يومها في قلبها، وشاركت فيها، تظاهرا واعتصاما واضرابا عن الطعام وضربا بأعقاب البنادق.
لكن الاشارة السريعة الى تلك المرحلة انما هي للمقارنة بما يجري اليوم، وللتحسّر على أيام النضالات النظيفة الطاهرة الصادقة الاخلاقية النابعة من وطنية صادقة، مؤمنة بقضية التحرّر والاستقلال والسيادة، على أقلّه بالنسبة الى السواد الأكبر من الطلاب الذين بدأوا، مع مرور الايام والاقتراب من المأساة الوطنية المتمثلة بنشوب الحرب في لبنان، يدركون جيدا انهم في الخمسينات والستينات وبداية السبعينات، كانوا بنيّة وتوجّه، وان معظم القادة المسؤولين عن الحركة الوطنية كانوا بنيّة وتوجّه مختلفين، ولهذه الأسباب انهارت الحركة الوطنية في لبنان، وخرج منها من اكتشف اخطاءها وخطاياها، وأخليت الساحة للأحزاب والتيارات والتنظيمات المذهبية والطائفية، وتحوّلت الساحات والشوارع وحتى المدارس والجامعات الى ميادين للفوضى والشغب والممارسات العنيفة الشاذة.
وضاعت شعارات الوطن والسيادة والحرية والاستقلال، في صرخات الحقد والتحريض، وممارسات الحرق والتكسير والتدمير والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، والانغماس المجاني في ما لا يعود بالفائدة على الوطن.
ما جرى في الأيام القليلة الماضية من تظاهرات شغب ومواقف تخوين وتحريض واتهام، تحت ستار الانتصار لقطاع غزة، يثبت صحة ما اشار اليه سيد بكركي البطريرك صفير، وبُعد نظره، عندما قال ان ما يدور في لبنان لا يدلّ على «نيّة طيبة او صادقة»، خصوصا ان الرئيس العماد ميشال سليمان، كان أول الرؤساء العرب الداعين الى وجوب عقد قمة عربية لنصرة غزة، ودعا الى عقدها في لبنان، كما ان الحكومة بالإجماع اعلنت دعم نضال الشعب الفلسطيني ماديا ومعنويا وديبلوماسيا وسياسيا، ومع ذلك ارتفعت في التظاهرات والخطب والاعلام اصوات منكرة مشبوهة بعيدة عن الاخلاق واللياقة والتقاليد اللبنانية في شكل حملة مبرمجة ومعدّة سلفاً هدفها تحويل رئيس الجمهورية التوافقي الى طرف، واذا تعذّر ذلك فالى هدف للشتيمة والاتهام، في محاولة لإضعاف منصب الرئاسة الأولى وجعلها مجرّد صورة في قصر بعبدا.
وبهذه الطريقة يمكن دفع لبنان ليكون رقماً في احد محاور الصراع العربي، وبذلك يدمّرون الجهود الكبيرة التي بذلها الرئيس سليمان ليعيد لبنان الى العالم، دولة سيدة حرة مستقلة محبّة للسلام، حريصة على أمنها واستقرارها.
رئيس الجمهورية، وبطريقته الخاصة القائمة على الهدوء المعجون بالصلابة، تابع طريقه التي التزم بها علناً، وشارك في لقاء الدوحة التشاوري، وجدّد من هناك مواقفه التي يعتبر انها تخدم مصلحة لبنان، بمعزل عن اي تهديد او اتهام، لأن الدستور الذي أقسم على الالتزام بمضمونه يلزم رئيس الجمهورية بتأمين المصلحة الوطنية وحسب، وليس مصلحة هذا الطرف او ذاك، او هذه الدولة او تلك، وهذا الموقف مارسه في الداخل وفي الخارج دونما اعتبار او اهتمام بأي موقف مغاير لاقتناعاته الوطنية.
وأحياناً كثيرة عبّرت قوى 14 آذار عن مواقف مغايرة لمواقف رئيس الجمهورية، ولكن طريقة التعبير كانت لائقة وحضارية ومن ضمن اللعبة الديموقراطية الصحيحة، وليس بالاتهامات والشتائم والتهديد كما حصل في تظاهرات عوكر الغوغائية، وفي بعض الاعلام.
حسناً فعل رئيس مجلس النواب نبيه بري بادانته التعرّض الخشن والمستهجن والظالم للرئيس سليمان، وليت هذه الادانة تنسحب على قادة قوى 8 آذار الآخرين الذين لاذوا حتى الآن بصمت مريب يعكس ربما ضيقهم ورفضهم الضمني بوصول العماد ميشال سليمان الى منصب رئاسة الجمهورية لأن لديهم حسابات وأهدافاً اخرى حال دون تحقيقها نجاح اللبنانيين في ايصال رئيس توافقي الى قصر بعبدا بعدما بقي شاغرا ثلاث سنوات كاملة.
يقول المثل اللبناني الدارج «الشمس طالعة والناس قاشعة» ولذلك لا يضير الرئيس سليمان هذا النوع من «المعارضة» ما دام الهدف مصلحة الناس ومستقبلهم ومصلحة الوطن واستمرار وجوده.