الغاء مبادرة السلام: تكريس للتوطين ودفن للقضية
المحامي جورج ابو صعب
ما اسهل الديماغوجية في السياسة وما اسهل التلاعب بمشاعر الجماهير الهائجة للانطلاق بمواقف متهورة لا تنظر الى المصلحة العامة بل فقط لتسجيل نقاط مزايدة هشة لا تمت الى المنطق والواقعية بصلة.
من هنا استهجاننا الكبير للمواقف التي صدرت من بعض الرؤساء العرب وغير العرب في قمة الدوحة اخيرا لا سيما تلك التي صدرت من الرئيس السوري بشار الاسد، وهو الذي كان ونظامه اعجز من اعلان حال التعبئة الشعبية على الاقل لمؤازرة غزة في عز اشرس واخطر هجمة شنتها الدولة العبرية على الشعب الفلسطيني الذي لطالما تغنت دول الممانعة (او هكذا يحلو لها تسميتها) بدعمه وبعدم ادخار اي مجهود او طاقة او امكانية للتدخل دعما له وحشدا للقوى في سبيل نصرته.
فلهؤلاء الزعماء العرب الذين يتهمون انظمة عربية اخرى باللامنطق واللاواقعية فيما هم الاكثر خيالا ولا واقعية، نوضح ما يلي:
1- ان الغاء مبادرة السلام العربية في بيروت لسنة 2002 ترتد سلبا على الدول العربية ولا سيما على دول الممانعة نفسها: لان الغاء المبادرة العربية سيؤدي الى اعتبار الدول الممانعة في حالة حرب مع اسرائيل. فهل ان سوريا وايران مستعدتان للدخول في حالة حرب مع اسرائيل؟
لقد صمت اذاننا تصاريح المسؤولين الايرانيين في السنوات الاخيرة التي كانت تدعي قدرتها على محو اسرائيل من الوجود. واذ بها بسحر ساحر تقف طوال 23 يوما متفرجة على المذابح الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ولم تحرك صاروخا او فيلقا او تفتح حدودها للمقاومين والفدائيين ضد اسرائيل. لا بل اكثر من ذلك يفتي مرشد الثورة الايرانية بحظر توجه متطوعين الى فلسطين لمساندة المقاومة الفلسطينية.
2- ان الغاء المبادرة العربية للسلام يعني اهداء اسرائيل ما طالما حلمت به منذ ان اصبحت المبادرة سيفا سياسيا وديبلوماسيا مسلطا على رقبتها. وقد بادر ارييل شارون فور اذاعة المبادرة يومها الى رفضها وبدء عملية اجتياح للمخيمات الفلسطينية في جنين وسواها. فهل تود دول "الممانعة" هذا الاهداء لاسرائيل؟
3- ان الغاء المبادرة العربية للسلام يعني الغاء السند القانوني والديبلوماسي العربي الجامع الوحيد الذي يلزم اسرائيل بالانسحاب الكامل من الاراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من حزيران 1967 ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا في لبنان، تلك الوثيقة العربية الوحيدة التي نجح من خلالها العرب سياسيا وديبلوماسيا في حشر اسرائيل في كل جولة مفاوضات او مباحثات في المحافل الدولية ومع الولايات المتحدة منذ اقرارها وشكلت المرجعية العربية الوحيدة التي فرضت على الغرب الاحترام كمعيار اساسي لاية تسوية. وبالتالي الغاء المبادرة يعني عودتنا جميعا كعرب الى المربع الاول اي الى 70 سنة مقاومة وحروب وتفتت وانقسامات عربية عربية في رؤيتنا للحل العادل والشامل.
4- ان الغاء المبادرة العربية للسلام تلغي الدعم العربي الجامع لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من حزيران 1967 والغاء الاصرار العربي على ان تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة.
5- ان الغاء المبادرة العربية للسلام يلغي مبدأ السلام في مقابل الارض وقد قسمت المبادرة الى قسمين اساسيين: قسم الشروط العربية للسلام وقسم نتائج تحقيق الشروط: فجاءت الشروط في المبادرة العربية محددة لمصير العلاقات مع اسرائيل واعتبار النزاع العربي الاسرائيلي منتهيا. فالغاء المبادرة يعطي اسرائيل مبررات سياسية وديبلوماسية واستراتيجية لاقناع الغرب اكثر فاكثر بانها مهددة بوجودها ومصيرها وبان العرب لا يريدون السلام.
6- ان الغاء المبادرة العربية للسلام يلغي الضمانة العربية الثابتة في منع التوطين لفلسطينيي الشتات وقد ضمن العرب في مبادرتهم رفض كل اشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة ومنها لبنان.
وبالتالي ان المبادرة شكلت الضمانة العربية الوحيدة لمنع التوطين والاطار القانوني والديبلوماسي والسياسي والاستراتيجي الوحيد لالزام الغرب والولايات
المتحدة على العمل لدولتين فلسطينية ويهودية تعيشان جنبا الى جنب في ظل الاستقلال والسيادة الكاملين لكل منهما. وبالتالي ان الغاء المبادرة يعني الغاء الضمانة العربية الوحيدة بمنع التوطين والغاء السند القوي لتسويق المبدأ والعمل على تطبيقه انطلاقا من انها تمثل الارادة العربية الجامعة والموحدة لصون حق العودة للفلسطينيين الى ديارهم.
فاذا كانت مراهنات دول "الممانعة" اليوم بان البديل هو الحرب: فلتتفضل بطرح استراتيجية حربية على العرب وان تبدا الان هي اولا بفتح جبهاتها على اسرائيل. ونذكرهم بان عام 1990 ومن دون اي اذن او استئذان من احد عندما شعر صدام حسين بواجب التصدي لاسرائيل والدفاع عن شرف الامة وقدسية القضية اطلق رغم الوجود العسكري الاميركي والعربي المناهض له في المنطقة صواريخه على اسرائيل فاثبت بذلك يومها انه فعلا رئيس الممانعة الحقيقية وزعيم التصدي العربي لامتهان الحقوق القومية. فاين الممانعين اليوم من هذه البطولة الفعلية لا القولية والغوغائية على طاولات القمم والمنتديات. وهم من يسعى اولا الى استرضاء الولايات المتحدة واسرائيل في السر وتحت الطاولات في مقابل مكاسب لانظمتهم ومصالحهم؟
فلترفع ايادي هؤلاء عن المبادرة العربية… وليتركوها تقاوم بدورها محاولات دفنها العربية من اهل بيتها خاصة وان اسرائيل تبقى المستفيدة الاولى من دفنها وهي دولة بنيت على القوة وايديولوجية الحرب والقتل والاحتلال ولن يؤثر فيها ما دامت اميركا الى جانبها ان يكون للعرب استراتيجية حرب او مواجهة لها.