#adsense

ملك العرب

حجم الخط

ملك العرب

لم تكن قمّة الكويت إلا بداية لإنعطافات كبيرة في الوضع العربي الراهن يا اخوان. وما حصل فيها جاء معاكساً لكل توقعات سابقة كانت تفترض ان الانقسام الذي توضّح في قمّة الدوحة سيترسخ أكثر فأكثر، وان الهريان الحاصل في البناء العربي، سيسبب مزيداً من التصدعات العصية على كل تصليح.

هكذا كان الظن. وهكذا أراد من فتح النار منذ اللحظات الأولى لعدوان غزة، باتجاهات بعيدة عن المعركة ووقائعها للتغطية على أشياء كثيرة في مقدمها إنعدام قدرته على أن يفعل شيئاً واحداً ملموساً لترجمة مزايداته في الميدان، كان الظن ان الاختراقات المريرة بالطول والعرض، عمودياً وأفقياً، للواقع العربي الراهن استطاعت أن تصل الى مبتغاها، وأن تركب على وضع مأزوم وعصي على الشفاء لتبني لها مدماكاً لمشاريعها الامبراطورية في السياسة و"النووي" على حد سواء.

كان الظن أيضاً، ان الاصطفاف وصل الى أقصى حدوده، وان الانقسام الذي تبدّت وقائعه الميدانية على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، سينسحب على أماكن ومحطات عربية وإسلامية كثيرة، وسيأخذ في طريقه الموقف الموحد من القضية المركزية المعبّر عنه في مبادرة قمّة بيروت.

لم تطل الإقامة في قاعة الانتظار وعلى أريكة القلق. وسرعان ما تلقف الملك عبدالله بن عبد العزيز اللحظة المناسبة ليضع بيده المدماك الأول لحائط صد الكارثة وسد منع الطوفان.

وكان كما هو دائماً، جامعٌ لا مفرّق. مُوحّد لا مُقسّم، متعالٍ عن الجراح ومداوٍ لها وليس راشاً للملح عليها.
تحرك بحكمة "التي هي أحسن" وعلى وقع النداءات التي انطلقت لتوحيد الموقف ولمّ الشمل وتوزيع بذور التضامن حتى لو كانت الأرض المرمية عليها مالحة لا تزال، بفعل مواقف وافتراءات وحملات ردح قلّ ان شهد التاريخ الحديث مثيلاً لها.

قبل قمّة الكويت، وحّد عبدالله بن عبد العزيز الفلسطينيين في مكّة المكرمة الى أن جاء غيره وقسّمهم شر قسمة. وقبل قمة الكويت لعب دوراً محورياً لا جدال فيه في توحيد اللبنانيين على اتفاق الدوحة… بلده في الأساس أنجز تلك التسوية التاريخية المسماة اتفاق الطائف، وجمعت ما فرّقته بحور الدم في لبنان.

قبل قمة الكويت، قاد ملك المملكة العربية السعودية سياسة ما حاد فيها عن تلك التي زرعها والده المؤسس الراحل المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود، وتابعها من بعده كل من وقف لخدمة الحرمين الشريفين وديار العرب والمسلمين أينما كانت وأينما كانوا… لم تكن مبادرته بهذا المعنى، خارج السياق المعهود ولا خارج النمط المعروف، كما انها لم تأت من فراغ. بل جاءت تتمة لنهج الجمع لا لقسمة ومقابلة الإساءة بالاحسان.

الى أين تذهب التطورات الدراماتيكية لقمة الكويت في السياسة. وكيف ستترجم في الملفات الخلافية الكبيرة؟ من المبكر ربما، رصف حجارة الاجابة على ذلك. لكن المؤكد ان صفحة جديدة فتحت بالأمس، وهي ستنعكس تلقائياً على الفلسطينيين واللبنانيين قبل غيرهم… وستلاقي الصفحة الجديدة المفتوحة مع باراك أوباما وسياساته حيال المنطقة في الإجمال… وبعيداً عن التفاصيل فان الافتراض يميل نحو التأكيد، ان العاهل السعودي فعلها من جديد وأعاد لمّ شمل المتفرقين، وتوحيد المنقسمين، ومداواة وجع القلقين… فعلها من جديد ملك العرب عبدالله بن عبد العزيز.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل