إعلان حرب السلام
لم يجاف أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح الوقائع حين استبق القمة الاقتصادية في بلاده، بوجهها السياسي، بالقول إنها ستنجز ما لم تنجزه قمة عربية أخرى. فما حمله خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز من دعوة الى التعالي عن الخلافات العربية، والتجاوب الفوري معه، كانا إعلان تأسيس لمرحلة جديدة، ليس على المستوى العربي وحده، بل على مستوى المنطقة ككل.
فالملك السعودي وجّه رسائل في كل الاتجاهات، ترسم خطة هجوم عربي يملأ فراغ الحل السياسي للصراع العربي – الاسرائيلي:
– على إسرائيل أن تدرك أن الخيار بين الحرب والسلم لن يكون مفتوحا في كل وقت، وأن مبادرة السلام العربية لن تبقى على الطاولة.
– إن فرقة الفلسطينيين أخطر من عدوان اسرائيل.
– إن الخلافات السياسية العربية ما زالت عونا للعدو الاسرائيلي.
– هذه الخلافات كانت عونا لكل من يريد شق الصف العربي لتحقيق أهدافه الاقليمية.
– كل قادة الأمة مسؤولون عن الضعف الذي أصابها.
أي أن الدعوة الى المصالحة أتت بلا غض طرف عن الحقائق، وبلا أنصاف مواقف. ولعل ما حمله خطاب الرئيس المصري حسني مبارك، قبيل خطاب الملك السعودي، كان بعناوينه الفجة في وضوحها، تمهيدا لهذا الحسم:
– لم يمالئ في التدليل على "محاولات تأتي من داخل الساحة العربية وخارجها لاداء الأدوار وبسط النفوذ".
– لم يهادن أصحاب الأدوار بنوعيهما، الذين "يتاجرون بالشعب الفلسطيني ويستخفون بأرواح شهدائه ودماء أبنائه، ويحاولون شق الصف العربي وإضعافه لاختراقه بقوة من خارجه".
– قارن بين "من يعمل على تقسيم العرب بين دول الاعتدال ودول الممانعة" وما كان يسمى "جبهة الرفض" كأنه يذكر بجعجعة الأخيرة التي لم تحمل الى العرب أي طحن، والتي لا تبدو الحالية إلا من عجينها.
– ذكر (من يريد تحوير الوقائع) بدور مصر في التمكن من التوصل الى اتفاق لحقن دماء الفلسطينيين يوقف النار ويفتح الطريق لانسحاب جيش العدو ويستعيد التهدئة الى غزة ويفتح المعابر ويرفع الحصار.
– نبّه الى أن مصر لم تكن غافلة عن "ضغوط البعض لإجهاض مبادرتها تكريسا للانقسام الراهن وسعيا للنيل من شرعية السلطة الفلسطينية ومنحها للفصائل".
– وضع "حماس" أمام مسؤوليتها: "المقاومة كقرار حرب لا بد من أن تخضع لحساب الأرباح والخسائر، وأن تكون مسؤولة أمام شعوبها".
– لام من فصائل المقاومة من يدعو الى "انتظار بزوغ نظام دولي أكثر عدالة" ولا ينحاز الى اسرائيل، فيما "الاستيطان يقتطع الاراضي المحتلة يوما بعد يوم، وفيما تظل القضية الفلسطينية قضية الفرص الضائعة".
– حذّر "من اختزال القضية الفلسطينية في غزة، واختزال غزة في المعابر، واختزال المعابر السبعة في معبر رفح".
– أكد أن "مصر ستواصل جهودها لتحقيق المصالحة بين السلطة الوطنية والفصائل".
– وجه رسالة الى اسرائيل "أن غطرسة القوة لن تقهر المقاومة، وأن الاحتلال الى زوال، وأن القضية الفلسطينية سوف تنتصر"، ونبه المجتمع الدولي إلى "أن سلام الشرق الأوسط ضرورة عاجلة لا تتحمل الانتظار"، وأن "الوقت حان ليتم التجاوب مع المبادرة العربية والتعامل معها".
عمليا، يشبه ما شهدته قمة الكويت أمس، وبما هو ظاهر منها على الأقل، إعلان حرب ديبلوماسية عربية من أجل السلام في الشرق الأوسط، أول أسلحتها المصالحات العربية والفلسطينية التي يفترض، إذا خلصت النوايا، أن تضع الادارة الاميركية الجديدة أمام قرار مجلس الأمن رقم 1850 محصنا بتمسك عربي بمبادرة الملك عبدالله التي كان أطلقها في قمة بيروت 2002.
كذلك تضع هذه الحرب الديبلوماسية إسرائيل تحت مجهر المجتمع الدولي، وخصوصا إذا ما أحسن صناع القرار العرب ترجمة عناوين خطبهم في خطة تنفيذية لا تكتفي بإرسال الوفود لتهنئة رجل البيت الابيض الجديد باراك حسين أوباما، بل تتخطاه الى استنفار الرأي العام العالمي، قيادة وشعوبا،وحسن استخدام وسائل إعلام.
كذلك تقفل هذه "الحرب" الباب في وجه الطموح الاقليمي الايراني الساعي الى تسلق ركام جثث الشهداء من لبنان الى فلسطين ليصل الى واشنطن، لتقديم ترشيحه كشريك إقليمي في تقرير مصير المنطقة.
لا يعادل فحوى خطاب الملك عبدالله سوى موقف سعودي حفر عميقا في الذاكرة العربية اتخذه المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيزعام 1973، حين قرر حظر النفط ردا على تعويض واشنطن اسرائيل ما تكبدته من خسائر في بداية حرب رمضان.
أعطى ذلك الموقف في ذلك الظرف التاريخي، على رغم ما كان يرمى من تهم في وجه المملكة، معنى للتضامن العربي، الشعار الذي يمضغه بعض القادة العرب كلما استفاقوا على إمعان اسرائيل في إذلال الأمة العربية، ولا يترجمونه إلا بمزيد من الشقاق.
مرتين كان للتضامن العربي فارسه الذي يتخطى الاساءة لانقاذ الأمة، وتتسع عباءته للجميع، من أجل الكرامة العربية وفلسطين عنوانها. وفي المرتين كان الفارس سعوديا.