صلحة مباركة
لا يَصحُّ إلاّ الصحيح.
ولا يَصحُّ الا القول ان الدم العربي ليس ماء. فما يجمع العرب أكثّر بكثير مما يفرّقهم. وما يصيب غزة أو بيروت يصيب كل بيت عربي.
ولا يقدم على مبادرات بحجم ما حصل أمس في قمة الكويت الا قائد يتمتع بحكمة الملك عبدالله بن عبد العزيز ودرايته، والذي جعل القادة العرب يستجيبون فوراً لدعوته، ويتجاوزون الخلافات الكثيرة التي أدَّت الى الأنقسام والتشرذم، والتي "كانت وما زالت عوناً للعدو الاسرائيلي الغادر ولكل مَنْ يريد شقّ الصف العربي لتحقيق أهدافه الأقليميَّة على حساب وحدتنا".
لقد حقَّق العاهل السعودي أَغلى أمنية عند العرب واصدقائهم، حين استطاع محو كل ما كان من عداوات وخصومات بكلمات من القلب وفي هذا الوقت العصيب، مؤكداً ان مبادرة السلام العربيَّة لن تبقى على الطاولة الى الأبد، داعياً الى تجاوز الخلافات السياسيَّة والبدء بنهج جديد ومرحلة جديدة تصنع علاقات عربية جديدة.
صحيح جداً، والحقّ مع خادم الحرمين الشريفين حين قال إن قطرة واحدة من الدم الفلسطيني أغلى من كنوز الأرض وما احتوت.
وحين يذكّر الجميع بأن التوراة قالت ان السن بالسن والعين بالعين، لكنها لم تقل العين بمدينة عيون.
سيقال اليوم وغداً ها هي غزَّة تصالح العرب أخيراً ولو فوق أشلائها، وبعد هذا الافتراق "العدائي" الذي أَشعل حروبا صغيرة كثيرة، وكاد يشعل المنطقة وامتداداتها.
حتماً، ليست على ظهر غزة وحساب تضحياتها وضحاياها وشهدائها وركامها هذه المصالحة، التي كان من الضروري أن تكون الآن، وان تتم قبل خراب البصرة، وخراب غزَّة، وخراب البيت العربي.
الا ان المثل الفرنسي يقول "أن يحصل متأخراً خيرُ من ألا يحصل أبداً".
وها هو قد حصل.
وها هي الصلحة التي طال انتظارها وانتقادها قد حصلت، فقوموا تنهنيٍّ…
لدى العرب، وبلاد العرب من المحيط الى الخليج غزّات على حيلها، وتحت كل حجر قصة خلاف، وبين كل بلدين تقريباً شيء من الفتور أن لم تكن القطيعة من الضيوف الدائمين.
وفوق ذلك، وقبله، وبعده قضايا خلافيَّة مزمنة لا تحصى.
وما داموا قد عقدوا الخناصر، وعقدوا العزم، وشدّوا الهمّة، فليكملوا مراجعة الجدول الطويل الذي ينتظر هذه المصالحة من زمان الوصل بالاندلس.
لقد دخل السوس الحقل العربي من الجهات الأربع. ودخلت الشياطين في التفاصيل الصغيرة والكبيرة، مثلما دخلت الحروب من خروم الانقسامات وما أكثرها.
هذا كلّه مهمُّ طبعاً.
إنما المهم أيضاً، والأولى بالمصالحات في هذه المناسبة الغزاويَّة المأسويَّة ان تبدأ باهل القضية، وأهل غزة، وأهل الضفة، ليكتمل المشهد العربي وتُؤتى مصالحة الكويت ثمارها.
أيّاً تكن الخلافات الفلسطينيّة متشعٍّبة ومتداخلة، فان الضريبة التي دفعتها غزة باهظة جداً، وقبلها "غزّات"، وتكفي لتشكٍّل ممحاة لكل هذه الخلافات عن بكرة ابيها.
ولكي تعود القضية الفلسطينيّة قضية الفلسطينييّن، ولكي يعود الفلسطينيون أصحاب هذه القضية. فصلحة مباركة.