لأنهم غير قادرين على الحرب النظامية ولا على القبول بسلام غير عادل
هل يتّفق العرب على فتح كل الجبهات لمقاومة مسلحة؟
يرى سفير لبناني مخضرم ينظر الى الامور بعقل مجرد من العواطف والمزايدات ان على العرب ان يجيبوا متفاهمين ومتحدين على سؤال اساسي واحد هو: هل هم مستعدون لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني وتحرير الاراضي التي تحتلها اسرائيل بالحرب تطبيقا لشعار: "ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة"، ام على اساس مفاوضات سلمية تنتهي الى اتفاق ينهي الصراع العربي – الاسرائيلي المزمن وتحميل مجلس الامن الدولي مسؤولية تنفيذ القرارات التي اتخذها ولم تلتزم اسرائيل تنفيذها لتحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة؟
ويضيف السفير نفسه متسائلا: هل في امكان العرب ان يتوصلوا الى اتفاق على استعادة حقوق الشعب الفلسطيني وتحرير ارضهم المحتلة بالحرب رغم وجود عدد من اتفاقات سلام معقودة بين اسرائيل وعدد من الدول العربية، وقد تم عقدها بعد حروب مدمرة وهي حروب لم تستطع تحرير الاراضي المحتلة، بل زادت مساحة هذا الاحتلال، فكان اتفاق "كمب دايفيد" بين مصر واسرائيل الذي اعاد اليها سيناء، واتفاق "وادي عربه" بين الاردن واسرائيل مع تبادل التمثيل الديبلوماسي، واتفاق "اوسلو" الذي اختلف الفلسطينيون حوله، وكذلك اتفاق فك اشتباك بين اسرائيل وسوريا عند هضبة الجولان، ولم تحقق المقاومة الفلسطينية التي ظلت تنطلق من جنوب لبنان تحرير شبر واحد من ارض فلسطين، بل عرّضت الجنوب لاجتياحات اسرائيلية بلغ احدها العاصمة بيروت وكبدت اللبنانيين عموما والجنوبيين خصوصا خسائر بشرية ومادية فادحة. اما المقاومة اللبنانية بقيادة "حزب الله" فقد نجحت في تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي تنفيذا للقرار 425 واقامة "خط ازرق" يفصل بين لبنان واسرائيل، الى ان كانت حرب تموز 2006 بين المقاومة واسرائيل، وقد انتهت بصدور القرار 1701 الذي قضى بوقف العمليات العسكرية ومنع دخول او تهريب الاسلحة الى اي مجموعة او حزب في لبنان كي يصبح السلاح حصرا في يد الدولة اللبنانية لتمكينها من بسط سلطتها على كل اراضيها ولا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها. لكن هذا القرار لم ينفذ منه حتى الآن سوى وقف العمليات العسكرية بعد انسحاب القوات الاسرائيلية الى ما وراء "الخط الازرق"، وانسحاب مقاتلي "حزب الله" الى ما وراء الليطاني. ولم يتم التوصل حتى الآن الى وقف شامل للنار، الامر الذي جعل القرار 1701 عرضة للخرق باستمرار مع دخول الاسلحة وتهريبها الى المقاومة في لبنان وتحديدا الى "حزب الله" واستمرار الطائرات الحربية الاسرائيلية في خرق الاجواء اللبنانية بحجة مراقبة نشاط هذا الحزب وحجم تسلحه. وكانت اخيرا وربما آخرا الحرب في قطاع غزة بين اسرائيل وحركة "حماس"، والتي قد لا تختلف بنتائجها كثيرا عن حرب تموز 2006 في لبنان، اي وقف للنار ثم اتفاق على انسحاب القوات الاسرائيلية من قطاع غزة وفتح المعابر واعادة اعمار ما هدمته الحرب في مقابل منع تهريب الاسلحة الى حركة "حماس"، لاسيما الصواريخ منها كي يتوقف اطلاقها في اتجاه اسرائيل بحيث ينعم سكانها بالامن والامان وهو المطلب الاساسي والاهم. ولا احد يعرف اذا كان منع تهريب الاسلحة الى غزة سيكون مصيره كمصير تهريب الاسلحة الى لبنان لان مجلس الامن لم يضع آلية لتنفيذ قراراته بل ترك تنفيذها لارادة الأطراف المعنيين. وكما واجه اللبنانيون وحدهم حرب تموز 2006، فان حرب غزة مع اسرائيل واجهها الفلسطينيون وحدهم ايضا لان العرب غير متفقين على الوسيلة الواجب اعتمادها للمواجهة، فهم غير قادرين على كسب الحرب مع اسرائيل وغير قادرين على القبول بسلام غير عادل بل قادرون على اطلاق الخطابات النارية، وعلى اصدار بيانات الادانة والاستنكار فقط، وفي اقصى الحالات تجميد كل انواع العلاقات مع اسرائيل، وليس قطعها، وتجميد مبادرة السلام العربية ووقف مفاوضات السلام ولا شيء يمنع استئنافها، وهذا ما تقرر في اجتماع الدوحة ولا يثير اهتمام اسرائيل، خصوصا انها رفضت المبادرة العربية للسلام حين اعلانها في قمة بيروت.
اما تنديد البيان الختامي لاجتماع الدوحة بشدة بعدوان اسرائيل الوحشي على قطاع غزة ومطالبته "بالوقف الفوري لجميع اشكال العدوان وبالانسحاب الفوري وغير المشروط والشامل لقوات الاحتلال، وضرورة الفتح الفوري والدائم لكل المعابر وتحميل اسرائيل المسؤولية الجنائية الدولية عن ارتكاباتها وجرائم الحرب" فهي مطالب لا تأبه لها اسرائيل، وهي التي لم تأبه حتى لقرارات مجلس الامن، وترفض استجابة اي منها ما لم تحصل على امن ثابت ودائم لسكان اسرائيل، وانها لم تقم بغزو غزة كي يعود الوضع الى ما كان عليه قبل ذلك.
الى ذلك يرى السفير اللبناني الخبير والمجرب، ان ليس امام العرب سوى ان يحددوا خياراتهم بموقف تضامني واحد موحد. ومن هذه الخيارات الآتي:
اولا: قطع العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل واعلان حرب شاملة عليها تحدد نتائجها مصير السلام وشكله في المنطقة. فهل يستطيع العرب ذلك؟ او هل يتوصلون الى اتفاق على شن هذه الحرب التي تلغي اتفاقات السلام المعقودة بين عدد منها واسرائيل عدا انها حرب قد لا تكون متكافئة وقد تشعل حربا عالمية.
ثانيا: اعتماد المقاومة الشعبية المسلحة لا حرب الجيوش النظامية، غير المتكافئة مع الجيش الاسرائيلي، شرط ان تكون مقاومة شاملة تفتح كل الجبهات المحيطة باسرائيل. فهل لدى الدول التي لها حدود مشتركة مع اسرائيل الاستعداد لفتح جبهاتها امام المقاومة ولا تخشى ان يكون الرد الاسرائيلي عليها قاسيا باستهداف كل البنى التحتية والفوقية وتدمير كل المرافق العامة والخاصة وتكبيد هذه الدول خسائر بشرية ومادية فادحة قد يكون من الصعب تعويضها خصوصا في الظروف المالية العالمية الصعبة؟
ثالثا: اللجوء الى الوسائل الديبلوماسية الفاعلة وذلك باستخدام كل اوراق الضغط على اسرائيل لدى الدول الصديقة وعواصم القرار توصلا الى تحقيق سلام شامل وعادل مبني على قرارات مؤتمر مدريد وعلى قرارات مجلس الامن، وعلى مبادرة السلام العربية التي لا يجوز نعيها قبل الاتفاق على بديل منها اذ ان اسرائيل لن تكون دولة من المنطقة الا اذا اعادت الحقوق المشروعة الى اصحابها، ولن تنعم بالامن والامان والاستقرار ما لم تطبع علاقاتها مع جيرانها خصوصا، ومع دول المنطقة عموما، وقد يكون الامل في تحقيق ذلك من خلال الادارة الاميركية الجديدة التي تبدا بتنفيذ ما وعدت به الادارة السابقة وهو اقامة دولة فلسطينية الى جانب الدولة العبرية، فتكون اقامتها بداية حل القضية الفلسطينية حلا عادلا، وانهاء الصراع العربي – الاسرائيلي.