#dfp #adsense

مبادرة جمع الشظايا العربية

حجم الخط

مبادرة جمع الشظايا العربية

لم يكن مفاجئاً ان يلتقط خادم الحرمين الشريفين امس التضامن العربي عند حافة السقوط الى هاوية الفوضى والاضطراب والانقلابات والتشظي التي خطط ويخطط لها البعض منذ اعوام.
لم يكن مفاجئاً ان يرتفع فوق الخلافات والانقسامات والاساءات، ليفتح ذراعي الاخ الاكبر بهدف الحيلولة دون انفراط العقد العربي نهائياً. ولرفع الوحدة العربية من الوحول التي دفعت اليها دفعاً وبأثمان مؤلمة وجارحة وبكثير من دماء الشهداء والابرياء هنا وهناك.
لا لم يكن موقف الملك عبدالله في قمة الكويت مفاجئاً. فتلك هي السعودية التي كان التضامن العربي دائماً الهدف الاسمى والقضية الانبل اللذين ركّزت عليهما. وذلك هو ملك المبادرات الذي سعى ويسعى دائماً من اجل توحيد الكلمة وجمع الصفوف، انطلاقاً من اقتناعه بأن الفرقة كانت وما زالت عوناً للعدو الاسرائيلي الغادر ولكل من يريد شق الصف العربي، لتحقيق اهدافه على حساب وحدة العرب وعزّتهم وآمالهم، وهو ما قاله امس مخاطباً، "قمة التضامن مع غزة" في الكويت.

❑ ❑ ❑

واذا كان العاهل السعودي قد حمّل قادة الدول العربية جميعهم، من دون استثناء، مسؤولية ما اصاب وحدة موقفهم، فإنه لم يتوان في مخاطبتهم بنبرة غلب عليها التأثر والاحساس بالمسؤولية الجسيمة التي يواجهها العرب حيث قال:
"أناشدهم باسم الشهداء من الاطفال والنساء والشيوخ في غزة، والدم المسفوح ظلماً وعدواناً على ارضنا في فلسطين وشعوبنا التي تمكن منها اليأس ان يكونوا اكبر من الجراح وان نسمو على خلافاتنا وان نهزم ظنون اعدائنا بنا ونقف موقفاً مشرّفاً يذكرنا به التاريخ وتفخر به امتنا".
وسرت موجة من الارتياح العميق في الحضور وفي الملايين من المواطنين العرب الذين تابعوا وقائع القمة عندما شرّع الابواب على عودة التفاهم والمصالحات بقوله: "اسمحوا لي بأن اعلن باسمنا جميعاً اننا تجاوزنا مرحلة الخلاف وفتحنا باب الاخوّة العربية والوحدة لكل العرب من دون استثناء او تحفظ، واننا سنواجه المستقبل بإذن الله نابذين خلافاتنا صفاً واحداً كالبنيان المرصوص".

❑ ❑ ❑

وعندما تحدث الرئيس حسني مبارك عن تطلعه لتكامل الجهود العربية والالتفاف في موقف واحد لمصلحة القضية الفلسطينية وعن الاخوة العربية، كان امير الكويت الشيخ صباح الاحمد الصباح، قد التقط بحسه السياسي المرهف وبخبرته وحنكته الديبلوماسية خيوط المصالحة التي بدت ناضجة وملائمة، فكان ان رتّب ذلك اللقاء في جناح العاهل السعودي حيث حضر الرئيس حسني مبارك والرئيس بشار الاسد وامير قطر الشيخ حمد وملك الاردن عبدالله الثاني.
واذا كانت الابواب العربية قد فتحت على مصالحات واعادة ترتيب العلاقات فإن ذلك سينعكس بالضرورة على العلاقات بين الاشقاء الفلسطينيين.

❑ ❑ ❑

وفي الواقع حرص العاهل السعودي على اعادة تصليب الموقف العربي. وتعمّد رسم مسار سياسي للتضامن بين الدول في المرحلة المقبلة، من شأنه ان يقطع الطريق على اولئك الذين يدفعون العرب نحو الفوضى والوقوع في الصدامات، والذين يحرضون على الانظمة ويقرعون طبول الانتفاضات والانقلابات، وقد كشّروا عن انيابهم في ضوء المحرقة الاسرائيلية في غزة، فاستحضروا طبول التهييج وألسنة التأجيج، وصار المطلوب ايقاع العرب في نصف قرن جديد من المآسي والصراعات.

وما هي عملية اعادة التصليب؟
يشكل كلام الملك عبدالله في هذا السياق رسالة جديدة ومهمة وجهها في اتجاهات عدة عندما قال:
"ان على اسرائيل ان تدرك ان الخيار بين الحرب والسلام لن يكون مفتوحاً في كل وقت، وان مبادرة السلام العربية المطروحة على الطاولة اليوم لن تبقى على الطاولة الى الابد".
في هذا الموقف رسالة واضحة الى الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما تحضه على ان يقرن تعهداته بالتحرك لتسوية عادلة في الشرق الاوسط بالتنفيذ والجدية. وفيه رسالة حازمة الى العدو الاسرائيلي الذي راهن دائماً على انقسام العرب، مفادها ان العرب يمكن ان يغلقوا باب التسوية التي تتضمنها "المبادرة العربية للسلام" اذا لم تستجب شروطها.

وفي ذلك ايضاً رسالة الى المجموعة الاوروبية والرباعية الدولية وحتى الى المجتمع الدولي.
وهذا الكلام يرسم مفترقاً يقوم على المسؤولية من جهة، واعداد قاعدة الانطلاق والتضامن العربيين من جهة ثانية. فلا يجوز تقسيم العالم العربي وفق اهواء اقليمية وحسابات معروفة، الى "ممانعين" غير قادرين على شن حرب تهزم الصهاينة في اسرائيل، و"معتدلين" غير قادرين على فرض تسوية عادلة ومشرّفة. والبديل ان وحدة الموقف العربي والتضامن الصادق والحقيقي بين العرب يعطي الزخم المطلوب لانجاح المبادرة والا فإنها لن تبقى معروضة الى الابد.

❑ ❑ ❑

وفي خلفية الرهان السعودي على اعادة تأسيس تضامن عربي فاعل، ما يعيد بلورة دور الدول العربية ومؤسساتها الجامعة، فليس سراً ان الدور الايراني يتمدد في المنطقة من خلال الوهن الناجم عن الانقسامات العربية، وان الدور التركي الذي يتحرّك كوسيط محوري في قضايا العرب وازمة الشرق الاوسط، يأخذ زخمه ايضاً من الانقسامات العربية، قبل صداقته مع تل ابيب.
في قمة الدوحة التشاورية التي عكست انقسام العرب وسط النيران في غزة جلس الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد مبتسماً وراسماً علامة النصر. وفي قمة الكويت، وقد كانت فعلاً قمة التضامن مع غزة، اعيدت المبادرة العربية للسلام "من سجل الاموات الى سجل الاحياء".
اما عندما تحدث العاهل السعودي عن تقديم مليار دولار لاعادة بناء ما هدمه النازيون البرابرة في غزة، قائلاً: "ان قطرة دم اغلى من كنوز الارض وما احتوت عليه" في اشارة الى الشهداء الفلسطينيين، فقد ارتفعت في امكنة كثيرة من العالم العربي اصوات تقول: هكذا تكون الرجال.

المصدر:
النهار

خبر عاجل