خيار الحرب والسلم
… بعدما استطاع الرئيس المصري حسني مبارك أن يجمع في شرم الشيخ وخلال أربع ساعات قادة اوروبيين وعرباً، ومعهم الرئيس التركي عبدالله غول، وبعدما اضطرت اسرائيل الى الاعلان عن وقف لاطلاق النار في غزة، وبدأت الانسحاب من القطاع، وقبلت على اثر ذلك حركة حماس وقف إطلاق النار، وأمهلت اسرائيل اسبوعاً للانسحاب، بعد كل هذا شعر كل مواطن عربي أن هذه الإنجازات الكبيرة ستجعل الأمور تسير بخطى جيدة وصحيحة نحو إنهاء العدوان على غزة.
… والمفاجأة الأكبر والأهم تمثلت بما أعلنه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز في القمة العربية المنعقدة في الكويت، عن كسر حواجز الجفاء، وأعلن باسم الجميع تجاوز مرحلة الخلاف وفتح باب الاخوة العربية والوحدة للكل بلا استثناء أو تحفظ على حد تعبيره.
كانت مفاجأة غير متوقعة، ولكنها ليست غريبة عن خادم الحرمين الشريفين، وكانت متوقعة من قبل الذين يعرفون صدقه وعروبته وشهامته، والملك عبدالله بن عبد العزيز، والذي على المعايير كافة هو قائد تاريخي، أكد مرة اخرى حرصه على وحدة الامة، معلناً بشجاعة الرجال العظام دعوته الى المصالحة، فقام باستضافة المختلفين جميعاً في مقر إقامته، محققاً مصالحة بين السعودية ومصر وقطر وسورية، وهي مصالحة كانت تبدو بعيدة المنال، ولكن خادم الحرمين الشريفين الكبير في مواقفه حقق هذه المعجزة، واضعاً نصب عينيه مصلحة الامة فوق كل المصالح.
وأيضاً، لا بد من قراءة موقفين مهمين للغاية في كلمة خادم الحرمين الشريفين امام القمة العربية، يضافان الى دعوته الى المصالحة العربية – العربية.
الاول، إن مبادرة السلام العربية لن تبقى طويلاً على الطاولة، وعلى اسرائيل ان تختار بين الحرب والسلم.
الثاني، قوله: تقضي الأمانة أن نقول لأشقائنا الفلسطينيين ان فرقتهم أخطر من عدوان اسرائيل، واذكرهم بالله عز وجل، وربط النصر بالوحدة، وربط الهزيمة بالخلاف، مستذكراً قوله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}.
هذان الموقفان كبيران جداً، إذ في الاول حسم خادم الحرمين الشريفين مسألة المبادرة العربية، مؤكداً ان على اسرائيل ان تدرك أن الخيار بين الحرب والسلم لن يكون مفتوحاً في كل الاوقات، وإن مبادرة السلام المطروحة اليوم لن تبقى على الطاولة، وفي الموقف الثاني، دعا الفلسطينيين الى الوحدة، لانه لا يمكن تحقيق الأهداف وهم في حال الخصام والفراق.
…. خادم الحرمين الشريفين أصاب بإعلان هذين الموقفين، خصوصاً لجهة الخيار بين الحرب والسلم، إذ انه منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر واسرائيل في عام 1979، وبعدها مؤتمر مدريد للسلام عام 1990، واتفاقيات اوسلو، التي وقعها رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين والراحل ياسر عرفات، ثم انعقاد مؤتمر انابوليس للسلام، كلها محطات تاريخية تهربت خلالها اسرائيل من الالتزام بمتطلبات السلام، وعندما اطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز مبادرته، والتي اصبحت مبادرة السلام العربية، ردت عليها اسرائيل بمزيد من إقامة المستوطنات والاعتداءات المتكررة.
وفي عام 2006 شنت اسرائيل حربها ضد لبنان، في محاولة منها للقضاء على المقاومة المتمثلة بـ"حزب الله"، ثم قامت بعمليتها الثانية في غزة، فشنت هجومها العدواني الوحشي محاولة القضاء على المقاومة الفلسطينية، ولكنها فشلت.
… كان كل ذلك هو الرد الاسرائيلي على مبادرات السلام، وهروبها من الالتزام بما يتطلبه هذا السلام، ولقد آن الاوان لأن يقرر قادة اسرائيل، هل يريدون استمرار الحروب؟
وقد رد الملك عبدالله بن عبد العزيز على ذلك بكثير من الموضوعية والقوة، مخاطباً العدو بأن عليه الاختيار بين الحرب والسلم.