"الوسطيون" وقواعد الاشتباك!
يستند العماد ميشال عون في مناهضته الشديدة والحادة لمبدأ قيام "كتلة وسطية" الى واقع لبناني مزمن كادت معه "الوسطية" ان تنقرض تماما امام موجات الحروب والانقسامات والاصطفافات إن على المستوى الطائفي قبل عام 2005، او على المستوى العابر للطوائف بعد انتخابات 2005.
والحملة المتصاعدة التي يتولاها العماد عون على "الوسطية"، وإن لأسباب انتخابية صرفة وواضحة، تبدو موغلة في براغماتية واقعية يصعب التنكر لحقيقتها، ولكنها تجافي بشدة مماثلة المعايير الديموقراطية الصرفة والحرية في قيام اي منهج جديد آخر يخرج عن الاصطفافات فكيف حين تنحو "الوسطية" الى مبدأ التوافق؟
بذلك لا يكفي الرافضون لموقف عون وخصومه او مريدو "الوسطية" ان يناهضوا حملته بالضرب على نقطة الضعف الاساسية فيها وهي لاديموقراطيتها فقط، بل ثمة كثير مما يقتضي التنبه اليه في الوضع السياسي العام الذي يشكل في مجمله حاجزا اعتراضيا ضخما امام اي نهج وسطي.
فالوسطية في ذاتها، عقب اكثر من ثلاثة عقود من النزاعات الداخلية، لا تشكل جاذبا براقا على المستوى الشعبي الذي لا يستسيغ "الرمادي" بين لونين صارخين باتا يختصران معظم لبنان.
مثل هذا الاتجاه، اذا كان يُراد له فعلا ان يخرق واقع الفرز بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار، يوجب اكثر من الترويج لقيام كتلة تلوذ برئيس الجمهورية، على وجاهة هذا العامل. ولعل الافضل بكثير من التحصن بـ"التوافقية" في هذا التوجه ان يبرز منهج "مستقل" وليس حياديا، بمعنى وجود برنامج واضح ورؤية واضحة ومفندة حيال واقع النظام السياسي والقضايا المصيرية المتصلة بمستقبل لبنان.
فثمة انقطاع مزمن عتيق في لبنان عن اي "حياد" داخلي منذ عهد الرئيس الياس سركيس على الاقل. ذلك الرئيس الذي افتقد بمرارة اسطورية اي سند له حين قامت في لبنان الجبهات العملاقة التي اضحت المؤسسات رهينة قوتها وتحكمها، بالاضافة الى العوامل الخارجية الساحقة التي طحنت كل امكانات الوسطية.
مع الرئيس ميشال سليمان تعود اول محاولة لاحياء نهج وسطي. ولكن هل ثمة "جنود" جاهزون لخوض هذا الغمار بين كتلتين عملاقتين لا مكان بينهما لاي "تسامح" في المعركة الفاصلة والتي لا شيء يوحي بعد ان امكانات الحسم الحقيقي قد استنفدت انتخابيا؟
ان امكانات عودة "اكثريتين" متعادلتين بفارق ضئيل جدا في الانتخابات لا تزال تتصدر الواقع، بصرف النظر عن اي تطورات مقبلة ومفاجآت محتملة.
ولذلك فان اختراق الفرز العمودي العملاق بين قوى 14 آذار و8 آذار سيكون مستحيلا إن لم يكن "للوسطيين" المفترضين صوت مرتفع جدا وجرأة عالية في بيئة لا تستسيغ سوى التعبير العنيف، مهما تلونت انماط هذا التعبير.
فانتخابات 2009 خصوصا هي المفترق المصيري لمشروع الدولة ومصير النظام السياسي والوطني بلا منازع. هذا الخيار سيكون على صورة لاعبيه وقواعدهم. لا هوادة وأنصاف حلول، أو مسافات بين مشروع قوى 14 آذار وقوى 8 آذار، ولا اصوات خافتة بين ضجيج المعركة، ولا ألوان واجفة بين لونين فاقعين.
ولكن الواقعية نفسها التي يتكئ اليها العماد عون في حملته على الوسطية، تقدم للوسطيين المفترضين فرصة من ثلاثة عناصر هي: الحق الديموقراطي البديهي في ولادة اي توجه سياسي جديد، وامكانات بلورة توجه "مستقل" وواضح المعالم والرؤية نظرا الى وجود مروحة شعبية حائرة ربما باتت في انتظار من يخرجها من الحيرة، وتزكية موقع رئيس الجمهورية ضمن اللعبة السياسية. وفي كل عناصر هذه المعادلة لن يكون مكان للوسطيين إن لم يكونوا في مستوى فرض الوجود في معركة لا ترحم بقواعد اشتباكها ذوي اللياقات السياسية.