التوافق العربي، خسارة إيرانيّة؟!
على نسق الحديث المضجر الذي يدور في معسكر الممانعة وعلى لسان قادة «حماس» الذين يتقبلون التبريك بـ"الانتصار الإلهي – الإنساني"، فيزايدون على أنفسهم بالموت والخراب، حتى بات الانتصار يحتاج إلى تعريف لغوي جديد ومفهوم توضيحي لا تلبيسي. فالناس كيفما التفتت تشاهد خراباً وجثثاً متيبسة منتنة. نفس المشهد سبق أن شاهدناه بعد حرب تموز وبعد تأمين ضمانات بحماية الطائرات الحربية الفرنسية للأجواء اللبنانية من عملية اغتيال تنفذها إسرائيل فوق ساحة الجاموس، من حيث أعلن النصر الإلهي الجزء الأول، ثم من حيث يقبع اسماعيل هنية في نفق ما أعلن النصر الإلهي ـ الإنساني في جزئه الثاني، وكل الخوف أن يكون النصر الثالث "نصر إلهي – إنساني – نباتي"، وهكذا حتى يأتي النصر على جميع المخلوقات والكائنات والجمادات أيضاً، لنصحو على أرض لا شجر فيها ولا حجر ولا بشر ولا طير ولا زواحف حتى!!
بمثل هذا التشظي الكلامي لمنطق "الممانعة" إلى حد يصيبك "بلعية نفس"، خرج بالأمس من معسكر الاعتدال اللبناني من يقرأ في التوافق العربي "خسارة إيرانية"، لا منطقة وسطى موضوعية ومنطقية بين المعسكرين، كأن اتفاق العرب كارثة على إيران؟ وكأن العرب يصنفون إيران دولة عدوّة؟! وهي لا هذا ولا ذاك، فهي دولة لها طموحات توسعية عرفت المنطقة مثلها ومن دول أقل إمكانات وقدرات، وهي دولة لها تشوّفات نووية غير مطمئنة للمنطقة، وملفها النووي هذا لا يعني العرب بل يعني دول العالم كلّها ..
والعرب ليسوا أهل عدوانية تجاه الآخرين، على الأقل تشهد العلاقات التركية ـ العربية بكل موروثاتها الاستعمارية الإمبراطوريّة بأنها ليست علاقات عدائية وطبعاً نحن بغنى عن أن تحكم إيران المنطقة لقرون وتهزم وتنتهي كإمبراطورية فارسية لتنتهي من جديد في حجمها الطبيعي "إيران"!!
وتشهد أيضاً العلاقات العربية بين الدول الإسلامية تحديداً مع روسيا التي تحاول العودة إلى تاريخها السوفياتي، على الأقل كانت الصفة التي تطلق على الاتحاد السوفياتي"الدولة الكافرة" أو "الملحدة"، ثم تبدلت المصالح والسياسات والجغرافيا أيضاً، لذا يبدو كلام معسكر الاعتدال اللبناني عن الخسارة الإيرانية "بلا طعمة" ومن دون مناسبة، فلا المصالحة العربية أصبحت كاملة متكاملة والشياطين العربية تحب التفاصيل، ولا إيران انهزمت لأن العرب تصالحوا، ولا هي ستربح إن ظلوا مختلفين، فما أسرع ما يوضع ملفها على الطاولة وتنشغل عنا بنفسها وما ينتظرها وفي رأس اللائحة الانتخابات المقبلة ..
التباهي بانتصار حماس مكابرة وتجبر واستخفاف بعقول ودماء الناس وخراب بيوتهم، ولا نعرف إن كان كل هؤلاء الشهداء والخراب يستدعون التهنئة فما الذي يستدعي المواساة؟!
والحديث عن هزيمة إيران بسبب اتفاق العرب ـ إن اتفقوا ـ يشبه مكابرة حماس الجالسة تتقبل التهاني فوق الخراب أو من تحت التراب!! كلا المنطقين سقيم وهزيل، والدول والشعوب لا تختصر بحروب تفتحها أحزاب لحسابها الخاص وتراهن وتغامر بمصير شعوب بكاملها، والبديهي السياسي في علاقات الدول أن العرب المختلفين تصالحوا بالأمس ولم يصنف أحد منهم إيران دولة عدوّة، فلماذا الحديث عن خسارتها، وطبعاً لا يعني هذا أيضاً انتصارها، هي تحاول وستظل تحاول إلى أن تتغير المعادلات سواء من داخلها أو بفعل ضغوط من خارجها!!