بينَ مداخلة مشعل في الدوحة وقبلها حملة "حزب الله" على النظام المصري وبينَ التعرّض لرئيس الجمهورية
مصر ولبنان "نفدا" فهل ينتهي مسلسل "لو كنت أعلم"؟
في عددها الصادر أول من أمس، كشفت جريدة "الأهرام" المصرية مقتطفات من مداخلة رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل في الجلسة المغلقة لـ"إجتماع الدوحة" التشاوري. وبحسب "الأهرام" فإن مشعل قال إن "حماس خطّطت أن العملية (الإسرائيلية ضد غزّة) لن تأخذ أكثر من يومين أو ثلاثة أيام، وتحدث التظاهرات في العالم العربي والإسلامي، وتخرج الناس إلى الشوارع في مصر وباقي البلدان، وتُنظّم تظاهرات أمام البعثات الديبلوماسية المصرية، وكل هذا بهدف الضغط على مصر لتفتح معبر رفح من دون شروط". وأضاف "هذا كان رهاننا على الشارع العربي، ولم تكن لدينا توقّعات بهذه الجرائم التي سترتكب ضد شعبنا ومواطنينا في غزة".
مشعل يكشف هدف إسقاط "النظام العربي"
إن هذا الكلام المنقول عن مشعل، خطير بكل معانيه.
إنه إعتراف بمسؤولية "حماس" عن إستدراج عدوان إسرائيلي على غزة. وهو إعتراف بالأخطاء القاتلة في التقدير السياسي. لكنه قبل هذا وذاك فضحٌ لـ"التخطيط" الذي كان حاصلاً ولـ"الوعود" التي كانت أعطيت لـ"حماس" بالنصرة والدعم ما أدّى الى توريطها.
وإذا كان يصحّ إدراج الكلام المنقول عن المسؤول الحمساوي ضمن مسلسل "لو كنت أعلم" ومآسيه الإنسانية، فإن أخطر ما فيه الإعلان الصريح عن إستهداف إسقاط "النظام العربي" إبتداء من مصر.. بالإحراج والضغط والتحرك، على خلفية إفتراض أن مصر تمثل "الحلقة الأضعف" نظراً الى حساسيّتها الاستثنائية تجاه المسألة الفلسطينية من جهة وإعتقاداً خاطئاً أن الحركة الإسلامية في مصر هي من القوة ما يجعلها قادرة على التحكّم بمسار الأحداث من جهة ثانية.
نصرالله والحملة على نظام الحكم في مصر
على أي حال، لم يكُن الكلام المنقول عن خالد مشعل هو الوحيد إستهدافاً لمصر ونظام الحكم فيها. فقد كان "حزب الله" في لبنان على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله "أفصح" في التعبير عن هذا الإستهداف. ذلك أنه ـ كعارف بـ"التخطيط" الذي أشار إليه مشعل في الدوحة ـ إنتقل من مناشدة القيادة المصرية بأن تفتح معبر رفح عشية العدوان على غزة، إلى الدعوة ـ شبه الصريحة ـ إلى إنقلاب على نظام الحكم تجسّدت في تحريض الجيش ـ بإسم فلسطين ـ على "التحرك". وكان طبيعياً أن تقرأ القيادة المصرية مواقف نصرالله من ناحية والمعلومات عن "التخطيط" الذي تحدث عنه مشعل في وقت لاحق من ناحية أخرى، على أنها "إعلان حرب" على مصر موحىً به من إيران التي واكبت ذلك كله بهجمات سياسية متتالية.
"رواية" بري للهجوم على سليمان
على أن اللافت هنا، وفي ما يخصّ لبنان بالتحديد، كان تزامن الحرب السياسية من جانب "حزب الله" على مصر مع حملة شعواء من جانب فريق 8 آذار و"حزب الله" وإعلامه ومتظاهريه على رئيس الجمهورية ميشال سليمان. في زاوية "أسرار الآلهة" في الزميلة "النهار" أمس أن "رئيس مجلس النواب نبيه بري كشف أن شائعة عمّمها أحدهم على تظاهرة عوكر ومفادها أن الرئيس ميشال سليمان لن يتوجه الى اجتماعات الدوحة، كانت وراء الهتافات التي أطلقت ضده".
.. أما الواقع فإستهداف لخيارات الرئيس
بطبيعة الحال، للرئيس بري أن "يرى" ما يشاء، وأن يحاول "إطفاء" ما تعرّض له الرئيس سليمان. غير أن واقع الأمر يُفيد أن الحملة على سليمان سبقت الدعوة القطرية الى "إجتماع الدوحة" وتزامنت معها في آن. وهي حملةٌ إستهدفت الخيارات الرئاسية، أي خيار التضامن السياسي والإنساني مع غزّة والشعب الفلسطيني جنباً الى جنب مع التحييد العسكري للبنان من جهة وخيار الحياد بين الدول العربية من جهة أخرى، أي الخيارات التي تحمي لبنان. فبموجب "التخطيط" ـ إستناداً الى كلام مشعل ـ إفترض "المخططون" أن لبنان يجب أن يكون "ساحة متقدمة" للتغيير الذي "سوف" تطلقه الأحداث في غزّة، بل إن لبنان يجب أن يكون "الحلقة" التي تجسّد مرحلة إسقاط "النظام العربي". ولذلك كان الضغط في لبنان يهدف الى "سحب" البلد رسمياً نحو المحور الإيراني ـ السوري و"السيطرة" عليه تباعاً من هذا المدخل، أي من مدخل فرض خيار إقليمي محدّد عليه.
النظام السوري و"القطع" مع رئيس لبنان
وما يُثبت "صحة" التقدير السالف لـ"الغايات" وراء التعرّض للرئيس سليمان، هو ان "مناسبتين" أتيحتا للقاء بين الرئيس سليمان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، في الدوحة وفي الكويت. لكن أي لقاء لم يسجّل بينهما… أي لم يعلن عن أي لقاء. طبعاً، ليس المقصود هنا سوى تأكيد حقيقة سياسية من شقين: الأول هو أن رئيس الجمهورية اللبنانية، للمرة الأولى منذ إتفاق الطائف، لم يكن له قولُ سوريا لا في الوضع الفلسطيني ولا في الوضع العربي والإقليمي ولا في الوضع اللبناني، والثاني هو ان رأس النظام السوري ـ بسبب القول اللبناني المختلف ـ يتعاطى مع رئيس لبنان بنوع من "القطع".
إذاً، وفقاً لكل "المعاني" الآنفة، يمكن القول إن بين الحرب السياسية على مصر ونظام الحكم فيها، والحملة التي تعرّض لها رئيس لبنان، رابطاً ضمن "التخطيط" الذي كشف عنه رئيس المكتب السياسي لـ"حماس"، أي في سياق إستهداف "النظام العربي" ومعادلاته، الأمر الذي كان ـ أي الاستهداف ـ سيعني تعريض لبنان لما هو أخطر من مجرد إسقاط "اتفاق الدوحة" الذي "يسير" بـ"عرجة" ملحوظة أصلاً.
قمة الكويت بمقياس إحباط "الإنشقاق"
هذا ما "كان" عليه "التخطيط" وما "كان" يستهدفه.
كان "إجتماع الدوحة" التشاوري محاولة للتغطية على الفشل في غزة والتستير عليه. كان محاولة هجومية لتحقيق نوع من "التعويض السياسي" عن فشل غزة، ولانتزاع نصر سياسي، حدده صانعو "إجتماع الدوحة" على أنه إنشقاق يفجر النظام العربي. وهذا ما جعل الرئيس الإيراني يرفع شارة النصر… على العرب وبدماء غزة.
من هذه الزاوية بالتحديد، ينبغي مقاربة قمة الكويت. صحيح أن هذه القمة لم تتوصل إلى صياغة "نص سياسي" يعيد توحيد الموقف العربي. بيد أن الصحيح في المقابل هو أن قمة الكويت بحكمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز والتفاف الرئيس حسني مبارك وقادة النظام العربي حول مبادرته، أحبطت الفصل "الأخير" (؟) من "التخطيط"، والقاضي بتفجير القمة والنظام العربي وإدخال الوضع في فراغ أو شلل سياسي.
من قمة الكويت "بقي" أن الملك عبدالله قال إن المبادرة العربية باقية الآن مشروعاً للعرب وليس إلى الأبد… وإن الجهود الوحيدة القائمة لمعالجة الوضع الفلسطيني هي جهود مصر التي أعادت قيادتها تأكيد مكانة مصر ودورها. و"بقي" أن من يسمّون أنفسهم "ممانعين" لم تتح لهم فرصة "تشريع" إنشقاقهم بالإشارة إلى "مقررات الدوحة" في بيان القمة.
و"بقي" أن لبنان أكد أن خياراته، خيارات رئيس الجمهورية والحكومة والدولة، هي الخيارات التي تصلُح لإعادة توحيد الصف العربي… واللبناني قبله وبعده.
فهل إنتهى مسلسل "لو كنت أعلم"؟ الله وحده أعلم ويعلَم.