#dfp #adsense

تحريض الشارع السنـّي لغايات سياسية وانتخابية

حجم الخط

قوى 8 آذار تسعى لاستغلال مأساة غزة في الداخل اللبناني:
تحريض الشارع السنـّي لغايات سياسية وانتخابية

لطالما كان الشارع السني في لبنان هو الحاضن الأول للقضية الفلسطينية. اللاجئون الفلسطينيون؛ مخيماتهم وامتدادهم الاستراتيجي، تاريخهم في لبنان، وعلاقاتهم الاجتماعية، ترتبط كلها بالسنّة بالدرجة الأولى. باختصار فإنه ومنذ بدايات المد القومي وصولاً إلى انتشار المد الإسلامي كان سنّة لبنان الحاضن الأول للقضية الفلسطينية، التي حافظت على قدرتها في تحريك شارعهم رغم طول السنين.

مأساة غزة محاولة اختراق جديدة في الشارع السني

المقدمات التاريخية السابقة ضرورية لفهم المحاولة الجديدة لتحريض الشارع السني، بعضه على بعض، من قبل قوى 8 آذار، على خلفية المأساة في غزة. صحيح أن الشارع السني "تلبنن" أكثر بفعل عوامل كثيرة، لا سيما بعد استشهاد الرئيس الحريري، لكن الصحيح أيضاً أن القضية الفلسطينية لا تزال تحتل مساحة كبيرة من تفكير هذا الشارع. هذا ما أثبتته مأساة غزة أخيراً، وما ستثبته على الأرجح كل المحطات اللاحقة التي ستمر بها القضية الفلسطينية.

من هنا انطلقت المحاولة الجديدة لاختراق الشارع السني وإرباكه، متخذة وجهين:
الوجه الأول: يعتمد على أن "تيار المستقبل"، بما هو مرجعية سياسية سنية، لا يعبـّر، أو لم يعد يعبـّر، عن تطلعات شارعه المتعاطف بشدة مع غزة!.

الوجه الثاني: يسعى إلى خلق شقاق بين "تيار المستقبل" وأكبر القوى الإسلامية السنية، أي "الجماعة الإسلامية"، على اعتبار أن الجماعة تمثـّل المقاومة، بينما يمثـّل "تيار المستقبل" المتواطئين عليها!.

وبمعزل عن المسألة الأخلاقية المتمثلة باستغلال دم الأبرياء وشهادة الشهداء في الصراعات الداخلية اللبنانية، فقد جاءت المحاولة الجديدة لاختراق الشارع السني بعد تأكد "حزب الله" مرة جديدة من هزالة الواجهات السنية التي يرعاها، بعناوين قومية أو إسلامية، من جهة، ومن بروز "الجماعة الإسلامية" في قيادة الشارع الغاضب من حالة العجز العربي إزاء المجازر في غزة، وتأييدها المطلق لـ"حماس"، من جهة أخرى.

مواقف "الجماعة الإسلامية"

في واقع الحال يمكن فهم مواقف "الجماعة الإسلامية" الأخيرة من العدوان على غزة، عبر وضعها في إطارها. صحيح أن "الجماعة الإسلامية" أقرب إلى قوى 14 آذار، وأنها وثيقة الصلة حالياً بـ"تيار المستقبل"، وأنه من المرجح أن تخوض الانتخابات النيابية بالتحالف معه، إلا أن الجماعة، رغم ذلك، لم تخفِ يوماً تأييدها لمشروع المقاومة على اعتبار أنه جزء من بنيتها الفكرية، فكيف إذا كانت "حماس" هي النسخة الفلسطينية لمدرسة "الإخوان المسلمين" التي تعتبر "الجماعة الإسلامية" نسختها اللبنانية! (كما يعتبر "الإخوان المسلمون" في سوريا النسخة السورية من هذه المدرسة أيضاً، فضلاً عن الإخوان في مصر، ومعظم أقطار العالمين العربي والإسلامي، وهذه التنظيمات تتفق على خطوط عامة، لكنها تتمتع باستقلالية قرار في الشأن المتعلق بالبلد الذي تعمل فيه).

إذاً، ثمة تباين غير مستجد بين "الجماعة الإسلامية" وبين باقي قوى 14 آذار، ظهر بمناسبة العدوان على غزة، على خلفية دعم الجماعة للمقاومة الفلسطينية ورفضها المبدئي للحلول السلمية، لكن هذا التباين يختلف في جوهره عما تريده قوى 8 آذار من الجماعة لجهة تأييدها في مشروع تغييب الدولة عن موضوع الدفاع عن لبنان، وتلزيمه حصراً إلى جهة حزبية ومذهبية لها ارتباطات خارجية. هذا الفارق كان واضحاً خلال العدوان على غزة لجهة رفض الجماعة الانسياق في لعبة المحاور العربية، وعدم انخراطها في حملات الشتم والسباب أمام السفارات، بالرغم من انتقاد الجماعة للموقف المصري، ومن رفض مكتبها السياسي إطلاق الصواريخ من الجنوب "بطريقة عشوائية لا تتلاءم مع ما تقتضيه الظروف الحالية من تعاون وتنسيق مع الحكومة والجيش والمقاومة، ودعوة السلطات المعنيّة إلى أن تتحمّل مسؤوليّتها، وأن تضع حدّاً لمثل هذه التصرّفات التي تأتي في غير مكانها أو زمانها".

تحريض الشارع السني

الجهود السياسية والإعلامية التي بذلها فريق 8 آذار، ومتطرفوه الرافضون للعيش المشترك، في تحريض الشارع السني على "تيار المستقبل" على وقع مأساة غزة، كانت كبيرة للغاية، وقد أخذت ألواناً شتى، كحثّ الحلفاء السنّة على التحرك والشتم، وتحريض "الجماعة الإسلامية" على "المستقبل"، والإكثار من الثناء عليها لتشجيعها على "عودتها إلى رشدها"، ومحاولة إحراج الحكومة في مواقفها الخارجية عبر الشارع، والعودة إلى الحديث عن المتآمرين في عدوان تموز، وبث الإشاعات والأخبار الكاذبة حول التحالفات الانتخابية اللاحقة، وصياغة حملة إعلامية مبرمجة لتحميل "تيار المستقبل" كل قطرة دم تسقط في غزة، بوصفه "حليفاً للعدوان".

الواضح من الحملة – المستمرة لليوم – أنها تريد إرباك "تيار المستقبل" في شارعه السني، وتحويل "الجماعة الإسلامية" على وجه التحديد، إلى رأس حربة في مواجهة هذا التيار، وخلق هوّة نفسية بين الإسلاميين وبين النائب سعد الحريري، بما يعيق أي تحالف انتخابي لاحق، إضافة إلى دغدغة مشاعر بعض السنّة الساخطين من الوضع العربي الرسمي، لاجتذابهم إلى الخيار السياسي لقوى 8 آذار، كمستتبعين لا شركاء.

غير أن نجاح هذه الحملة مرهون بكيفية تصرف الأطراف المستهدفة بها، وتفهّم مواقف بعضها البعض، ورفع مستوى حرصها على الوحدة في الشارع اللبناني عموماً والسني خصوصاً، واستيعاب "تيار المستقبل" تحديداً للمكونات المختلفة في هذا الشارع السني، وقطع الطريق على المصطادين في الماء العكر، المخلصين لمصالحهم السياسية دون سواها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل