صدقية المصالحات العربية رهن بتحقيق مصالحة فلسطينية – فلسطينية
إسرائيل تحصل على الأمن الثابت في مقابل انسحابها من غزّة
هل تكون المصالحات العربية في الكويت شبيهة بالمصالحات اللبنانية التي احتاجت ترجمتها واقعا على الارض الى عقد مؤتمر في الدوحة حيث تم الاتفاق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، واعتماد قانون الـ60 لاجراء الانتخابات النيابية المقبلة، والتعهد بالامتناع عن العودة الى استخدام السلاح او العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية، واطلاق الحوار حول تعزيز سلطات الدولة اللبنانية على كل اراضيها وعلاقاتها مع مختلف التنظيمات على الساحة اللبنانية بما يضمن امن الدولة والمواطنين.
لذلك مطلوب ترجمة للمصالحات العربية اذا كانت حقيقية وليست مجرد مصافحات، بأن تتحقق قبل اي شيء آخر المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية توصلا الى تشكيل حكومة وفاق وطني دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى تشكيلها في كلمته في قمة الكويت. وهل يحتاج تحقيق هذه المصالحة، توصلا الى تشكيل مثل هذه الحكومة، الى مؤتمر فلسطيني شبيه بمؤتمر الدوحة للزعماء اللبنانيين؟ ومن هي الدولة التي يصير اتفاق عليها كي يعقد فيها هذا المؤتمر، أهي مصر ام السعودية، ام ان اتفاق كل الفصائل الفلسطينية على العودة الى اتفاق مكة او اتفاق اليمن والتزام تنفيذ بنوده يغني عن عقد اي مؤتمر؟
الواقع، كما ترى اوساط سياسية مراقبة، ان التوصل الى تحقيق مصالحات فلسطينية – فلسطينية تسهل تشكيل حكومة وفاق وطني، يحتاج الى توافق عربي واقليمي صادق وصحيح. وهذا من شأنه ان يطرح السؤال المهم: هل ايران وسوريا مستعدتان للعمل بصدق مع الدول العربية الاخرى على تحقيق المصالحة بين جميع الفصائل الفلسطينية توصلا الى تشكيل حكومة وفاق وطني واقامة سلطة فلسطينية واحدة تتولى التفاوض مع اسرائيل تحقيقا لسلام عادل، وهي سلطة تقضي الضرورة الوطنية اقامتها مع انطلاق عمل الادارة الاميركية الجديدة، كي لا تتخذ اسرائيل من انقسام السلطة الفلسطينية ذريعة للتهرب من مفاوضات السلام والتساؤل مع من تريد ان تتفاوض اذا كانت سلطة فلسطينية ترفض نتائج اي مفاوضات مع سلطة اخرى.
والحقيقة ان المخرج الوحيد من ازمة الانقسامات بين الفصائل الفلسطينية بعد حرب غزة، هو في تحقيق مصالحات تفضي الى تشكيل حكومة وفاق وطني تتمثل فيها كل الفصائل الاساسية كي تتولى الاشراف على الانتخابات الرئاسية والنيابية في فلسطين، كما تشكلت حكومة الوحدة الوطنية في لبنان التي تمثلت فيها كل الاحزاب والقوى الاساسية لتشرف ايضا على الانتخابات النيابية في حزيران المقبل، بحيث ان نتائج الانتخابات في كل من اسرائيل وفلسطين ولبنان ترسم صورة السلطة وهويتها في كل من الدول الثلاث وتاليا صورة الوضع السياسي في المنطقة. فهل مصالحة سوريا في الكويت مع السعودية ومصالحة مصر مع قطر، تساعدان على تحقيق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية توصلا الى تشكيل حكومة وفاق وطني تفاوض اسرائيل من موقف واحد موحد؟ ام ان ايران سيكون لها رأي آخر يضع سوريا في موقف حرج ويجعلها تختار بين التحالف معها او العودة الى الفلك العربي؟ وهل ايران مستعدة للتعاون والمساعدة على تحقيق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية بدون اي مقابل وان تتخلى عن ورقة الفصائل الفلسطينية المتشددة وعلى رأسها حركة "حماس" اذا لم تحصل على ما تريد؟
واذا كان تحقيق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية من الاولويات من اجل التوصل الى تشكيل حكومة وفاق وطني تشرف على الانتخابات الرئاسية والنيابية في فلسطين وتتلقى المساعدات العينية والنقدية من اجل اعادة اعمار غزة، فلا تظل الجهة التي ترسل اليها هذه المساعدات موضوع خلاف، او تتولاها هيئة عربية او دولية، فان الاولويات بالنسبة الى اسرائيل هي توفير الامن والامان الثابتين والدائمين خصوصا لسكان المستوطنات القريبة من قطاع غزة، وتوفير ذلك يتطلب اتخاذ الاجراءات الكفيلة بمنع تهريب الاسلحة ولا سيما الصواريخ الى حركة "حماس" لان استمرار تهريبها قد يعيد هذه الحركة الى قوتها العسكرية ويعوض عليها ما خسرته في الحرب، وقد تشكل عودة اطلاق هذه الصواريخ في اتجاه المستوطنات الاسرائيلية دليلا على ان هذه الحرب الاسرائيلية لم تحقق اهدافها، وسيوظف خصوم حزب العمل وحزب كاديما، وعلى رأسهم حزب الليكود، عودة اطلاق الصواريخ، خصوصا قبل الانتخابات الاسرائيلية او خلالها، لمصلحة المعارضة وتحديدا لمصلحة نتنياهو انتقاما من الثلاثي: اولمرت – باراك – ليفني.
لذلك، فان القوات الاسرائيلية تريد الحصول في مقابل انسحابها انسحابا كاملا من قطاع غزة على ما يضمن عدم تهريب الاسلحة مجددا الى حركة "حماس" وغيرها من التنظيمات الفلسطينية المتشددة. وهذا يتحقق عندما تباشر الولايات المتحدة الاميركية، ومعها دول اخرى، تطبيق مضمون الاتفاق الذي عقدته مع اسرائيل حول اجراءات منع تهريب هذه الاسلحة. ويقول مسؤولون اسرائيليون انهم لن يقعوا بعد حرب غزة في الخطأ الذي وقعوا فيه بعد حرب تموز 2006 في لبنان، اذ ان القوات الاسرائيلية انسحبت من الجنوب الى ما وراء "الخط الازرق" في مقابل تطبيق بنود القرار 1701 ولا سيما البند المتعلق بمنع تهريب الاسلحة والمعدات الى "حزب الله"، وهو بند لم يتم تنفيذه.