#dfp #adsense

صورة أميركا في الشرق الأوسط

حجم الخط

صورة أميركا في الشرق الأوسط

الجميع في العالم كان ينتظر خطاب تنصيب الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما، الجميع ينتظر ولادة سياسة أميركية جديدة، كل في المجال الذي يهمه، سواء في الولايات المتحدة أو في العالم، وذلك حسب وعد التغيير الذي كان عنوان الحملة الانتخابية للمرشح أوباما.

في تسعينات القرن الماضي، وفي مطلع هذا القرن خرجت نظرية "نهاية التاريخ" وانتصار الغرب بمنظومة قيمه، ثم صدرت منذ فترة قصيرة نظرية عودة التاريخ للحديث عن عدم وجود انتصار من هذا النوع وأن الصراع مستمر في العالم، ولكن يبدو أن المتطلعين الى واشنطن، خصوصاً من الشرق الأوسط، ينتظرون "ولادة التاريخ" مع رئيس أميركي جديد يعتبرون بأي حال وهم على حق أنه سيكون أفضل من الرئيس الذي سبقه. مخاطر هذه النظرة أنها تضع السقف مرتفعاً بالنسبة للتوقعات، سواء على الصعيد الداخلي الأميركي أو على الصعيد العالمي، رغم أنه من الطبيعي اعتبار أن أوباما سيشكل نوعاً من القطيعة مع البوشية كمنظومة قيم وسلوكيات متعالية وسياسات أحادية ولكن هنا تقف القطيعة رغم أهميتها.

أوباما يقدم نفسه كمزيج من الرئيس لنكولن والرئيس روزفلت: الأول بما يمثله من نموذج تحرري وتحريري وحامل لقيم المساواة ومدافع عنها في التاريخ الأميركي، والثاني بما صاغه من عقد جديد بعد أزمة عام 1929. أوباما يمثل أيضاً نهاية الريغانية التي بدأت مع الرئيس ريغان واستمرت بعده مع الرئيس بوش الأب ثم الرئيس كلينتون ثم الرئيس بوش الإبن حاملة لمفاهيم تقزيم دور الدولة ووظائفها الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع لمصلحة حرية السوق تحت عنوان النيوليبرالية. فأمام الرئيس الجديد تحدي إعادة بناء أميركا وإعادة بناء الزعامة الأميركية دولياً كما يقول، ولكن المهمة الثانية مرتبطة بشكل كبير بالنجاح في المهمة الأولى حيث عليه أن يعالج تحديات سبعة اقتصادية واجتماعية وهي محاربة البطالة، ومساعدة الطبقات المتوسطة، وإعادة بناء نظام حماية اجتماعية فاعل وفعال، وتمويل الدين العام، والمساعدة في إعادة إطلاق الصناعة التي خسرت قدرتها التنافسية، وإعادة الثقة بالنظام المصرفي، وبلورة نموذج جديدة لاستعمال الطاقة في التنمية يخفف من الاعتماد على النفط. هذه بعض التحديات تحت العنوان الاقتصادي. لكن أوباما في خطابه وهو الرئيس الأميركي الأكثر عولمة من حيث تجربته الشخصية، والداعي الى التعامل مع الخصم وإلى اعتماد مقاربة جديدة للتعامل مع العالم الإسلامي، والداعي الى الانسحاب من العراق بسرعة، وإلى اعتماد سياسة جديدة في أفغانستان، سيجد نفسه مباشرة غارقاً في السياسة الخارجية.

أوباما يعترف أن السياسة تجاه الشرق الأوسط يجب أن تعامل كوحدة مترابطة موحدة بعيداً عن السياسات المجزأة تجاه ملفات المنطقة التي تعاملت بها الإدارة السابقة. فالنظرة الشاملة وبالتالي المقاربة الشاملة هما ما يدعو الى اعتمادها الرئيس الجديد. يقول بعض منظري السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، أن سياسة الرئيس الجديد يمكن وصفها بالواقعية الجديدة، أي بالمزيج من مدرسة الواقعية التقليدية التي تقوم على نظريات توازن القوى والانخراط الديبلوماسي مع الأعداء والخصوم، والعمل على دعم الاستقرار بعيداً عن الخيارات الإيديولوجية. والمثير للاهتمام في هذا الصدد كيف يقوم الرئيس الجديد مفهوم الديموقراطية الذي كان أحد العناوين الإيديولوجية الرئيسية عند الإدارة السابقة لشرعنة سياساتها التداخلية والأحادية. أوباما يعتبر أن الديموقراطية لا يمكن تصديرها بالبندقية، وأنه من الخطأ المساواة بين الديموقراطية والانتخابات، وأن المطلوب أساساً تأمين حرية الناس من العوز، وحرية الناس من الخوف، مستشهداً بما يقوله روزفلت في هذا المجال. فواقعية الرئيس الداعية الى سياسة الانخراط مع الخصوم والمبتعدة كلياً عن النظرة الأحادية للدور الأميركي، تحمل أيضاً عنواناً تغييرياً من دون أن يكون ضاغطاً على السياسة الخارجية: عنوان العمل والتعاون في كل ما هو مشترك عالمي مثل قضايا البيئة ومحاربة الفقر والتعامل مع تحديات العولمة. فإذا كان الرئيس الجديد يتطلع على الصعيد الداخلي الى بناء صيغة جديدة لدور الدولة ولإنقاذ الرأسمالية من ذاتها كما يقول، ولإعادة تحديد وظائف الدولة كضامن وناظم وموازن للحياة الاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة، فإنه من جهة أخرى يدرك أن أمامه تحديين مترابطين على الصعيد الدولي، أولهما الصورة السلبية للولايات المتحدة في العالم والتي وصلت الى الحضيض حتى في مجتمعات صديقة للولايات المتحدة، وثانيهما تراجع المكانة ومعها الدور الأميركي في العالم، واصطدام واشنطن الأمس بواقع مفاده أنه لا تستطيع صوغ وإدارة الملفات العالمية وحدها من دون مساعدة من الحلفاء والأصدقاء ومن دون الانخراط مع الخصوم. لن تكون هنالك بالطبع عودة الى ما سماه الكاتب المحافظ تشارلز كروثمر اللحظة الأحادية، فهذه اللحظة انتهت مباشرة بعد سقوط جدار برلين ولو حاولت كل من إدارة كلينتون وثم إدارتي بوش بقوة اعتبارها حقيقة مطلقة.

يدرك الرئيس أن عليه إعادة بناء صورة أميركا المنخرطة في قضايا العالم والمتعاونة مع الآخرين والمتحاورة معهم، وأن عليه إعادة بناء مكانة الدولة العظمى وليس القوة الأحادية. الدولة العظمى في عالم تغير مثلما تغيرت أميركا، ومثلما هو يدعو للتغيير حيث هناك قوى دولية عائدة بقوة مثل الصين الشعبية وروسيا، وأخرى صاعدة مثل الاتحاد الأوروبي والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وعليه بالتالي صوغ سياسات جديدة أو مختلفة تجاهها.
بقي موضوع الشرق الأوسط. "جماعة كلينتون" أو أولئك الذين عملوا في ادارة الرئيس السابق في ملفات الشرق الأوسط ينصحون الرئيس الجديد، كل من تجربته وخبرته ومراجعته، وكل يتطلع للعودة الى الإدارة الجديدة بشكل رسمي، ينصحون الرئيس بأن المدخل لتغيير صورة أميركا في الشرق الأوسط وفي العالم الإسلامي يمر عبر القضية الفلسطينية، ومع عدوان غزة وتداعياته صارت القضية الفلسطينية الممر الوحيد لولوج جديد الى الشرق الأوسط. تصريحات الرئيس والنصائح الملحة لجيش المستشارين القريبين، وسخونة الموقف واحتمالاته المتعددة، كلها تدفع للنظر في كيفية عودة الولايات المتحدة الى الملف الفلسطيني وقد تركته فعلاً كملف شامل لفترة ثماني سنوات. كيف ستكون العودة عبر مؤشرات معروفة منها التوقيت، أو إسراع الرئيس في إعلان موقف ورؤية ومقاربة لهذا الملف، والتزام رئاسي بالانخراط في هذا الملف، وثم تشكيل ما يمكن تسميته بقوة التدخل السريع الديبلوماسية للتعامل مع هذا الملف المعقد والذي يزداد تعقيداً ويؤثر بأشكال مختلفة كما يتأثر بالملفات الأخرى الساخنة والمتأججة في المنطقة. إنه تحدي اليوم الأول الذي يضع واشنطن على مفترق طرق في الشرق الأوسط.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل