سؤال
سيستمر الجدل وطحن الآراء طويلاً يا إخوان، قبل ان تخرج نتيجة منطقية تحدد مآل العدوان الاسرائيلي على غزة. وستكثر في الأيام الآتية مسابقات عرض العضلات الفكرية والآراء في هذا السياق، وكل رأي يملك في واقع الحال ذخيرة كافية لتأكيد صوابيته في ضوء الالتباس الذي انتهت إليه تلك الحرب.
لكن الملاحظ هو ان الاسرائيليين الذين ملأوا الدنيا تعليقات وتحليلات واستنتاجات في شأن حرب تموز 2006، وشكلوا لجنة للتحقيق في إخفاقات جيشهم في لبنان، ظهروا هذه المرة، ومنذ لحظة وقف العدوان على غزة وأهلها موحدين ومكربجين عند رأي واحد يقول انهم حققوا ما أرادوا… وذهبت ترويكا القرار عندهم الى تأكيد "الانتصار"، حتى وان كان ملتبساً في تأثيراته المستقبلية. بمعنى انهم يؤكدون "انتصارهم" اليوم لكنهم يختلفون على يوم غد. وبعض كبار المحللين العسكريين عندهم بدأ يجزم بأن "حماس" ستعيد حفر أنفاق التهريب بين القطاع ومصر في غضون 6 أشهر.
طبعاً الامور عندنا كانت محسومة سلفاً. والعنوان كان جاهزاً حتى في عزّ الحرب. ما تحت العنوان، تفاصيل هامشية، غير مهمة "حتى لو دمرت غزة وأبيد أهلها" حسب ما قاله أحد قادة "حماس"، فيما دأب آخر على طمأنتنا في اطلالاته التلفزيونية "ان المقاومين بخير".
قيل في بداية العدوان يا إخوان، انه ظلم كبير مقارنة غزة بلبنان، و"حماس" بـ"حزب الله" ولأسباب كثيرة، في الجغرافيا والامكانات والظروف العامة والخاصة، وغير ذلك من الشواهد التي تؤكد ذلك الاستنتاج. غير ان أهل الممانعة أنفسهم ربطوا ربطاً محكماً بين الوضعين والمقاومتين… والنتيجتين. وما قبلوا تنازلاً ولو بسيطاً في التنظير لمظلومية المقارنة بين الميدان المغلق والمَيْدان المفتوح، وظلت أنشودة النصر تلعلع مع كل صاروخ انطلق من بين أنقاض غزة باتجاه اسرائيل.
لو سلمنا جدلاً بذلك. والامر هنا يعني "بلع الريق"، وإغلاق منافذ الاسئلة القلقة، فإنه لا يلغي ضمور الحياء واستعارة بعض الفجاجة وبالتالي السؤال من جديد عن عدد قتلى الجيش الاسرائيلي على مدى 23 يوماً من المواجهات المفتوحة. عشرة قتلى رسمياً. في حين انهم في حرب لبنان وصلوا الى أكثر من مئة بقليل. ما الذي جرى وكيف ذلك؟ وهل حصلت بالفعل مواجهات كالتي شهدتها قرى وبلدات في الجنوب اللبناني صيف 2006 وخصوصاً في مارون الرأس مثلاً؟ المؤكد والواضح بالصوت والصورة والآثار، ان أحياء بكاملها دُمِّرَت في مدينة غزة نفسها، عدا المناطق الاخرى التي سوّاها الاسرائيليون بالارض قبل ان يتمركزوا فيها ثم يعيدوا الانسحاب منها في شمال القطاع وجنوبه وشرقه على السواء.
كيف يمكن تبعاً لذلك، ان تكون نتيجة تلك "الملاحم" ضحلة وضئيلة الى هذا الحد عند الجانب المعتدي والغازي؟… حتى لو سلمنا بما قاله أحد قادة "كتائب القسام" من ان العدد الفعلي للقتلى الاسرائيليين كان 49 قتيلاً، ألا تبدو النتيجة بعيدة جداً من النتائج الملحمية المرتقبة من أي مواجهات مفتوحة في مناطق سكنية؟
أمر غريب. لكن ربما كانت قيادة "حماس" أعدت العدّة للحظات الاخيرة الحاسمة. وأمرت بالانكفاء التكتيكي تمهيداً لمحاصرة الغزاة في الشوارع والاحياء الاسمنتية المكتظة في اللحظة المناسبة… دعونا نفترض ذلك. لأن افتراض العكس لا يؤشر إلا الى كارثة فعلية، تفاصيلها متروكة للخيال المستور وحده. ومع هذا يظل السؤال مطروحا:ً عشرة قتلى؟! ولو!