قمة الكويت ثبّتت المبادرة العربية وتجاوزت المزايدات الاقليمية
"الصدمة" السعودية وأولويات المرحلة المقبلة
أحدثت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الى إجراء مصالحة عربية عربية خلال افتتاح القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية في الكويت، صدمة ايجابية لن تنحصر تداعياتها على الواقع العربي، والفلسطيني تحديداً، وهي عكست إحساساً عميقاً لدى الملك عبد الله بالمسؤولية القومية والإسلامية عند الاستحقاقات الكبرى، وترفعاً عن الصغائر والأنانية والمصالح الشخصية والاتهامات التي سبق أن طاولته شخصياً. لكنها أيضاً حملت فرصاً ورسائل على المستويين العربي والدولي، خصوصاً مع تسلم الرئيس الاميركي الجديد باراك أوباما مهماته رئيساً للولايات المتحدة، وسط آمال كثيرة بأن تكون ولايته نقطة تحول أساسية في السياسة الخارجية الاميركية وخصوصاً في المنطقة العربية.
الملك وعلى طريقته في الايجاز، كان أعلن باسم المجتمعين في قمة الكويت، طي صفحة الخلافات العربية والتبرع بمبلغ مليار دولار لصندوق اعادة اعمار قطاع غزة، ودعا الفلسطينيين الى انهاء فرقتهم التي اعتبرها اخطر على قضيتهم من عدوان اسرائيل التي حذرها من ان مبادرة السلام العربية لن تبقى مطروحة الى الابد على الطاولة اذا لم تتم الاستجابة لها كاملة. موقف، وإن أتى صادماً لقوى اقليمية عدة وخلافاً لتوقعاتها عشية قمة الكويت إلا أنه كان محط ترحيب على أكثر من مستوى لاعتبارات متعددة.
وفي تقدير أوساط سياسية لبنانية، فإن مبادرة خادم الحرمين اكتسبت بُعدها ليس في لملمة الانقسام العربي القائم، وليس أيضاً في لملمة التداعيات الماثلة والمحتملة للحرب الاسرائيلية على غزة خشية تدهور الامور على نحو غير متوقع بين العرب، بل انها استعادت فلسطين، قضية ورمزاً ومسؤولية، كأولوية الى حاضنة العرب من ابتزاز قوى اقليمية معروفة.
المبادرة العربية فرصة أخيرة
فعلى المستوى الدولي، أكدت المبادرة السعودية، وخلافاً لما جرى ترويجه في قطر، التضامن العربي مع فلسطين على قاعدة المبادرة العربية التي وضع اسسها الملك السعودي نفسه وقدمها في قمة بيروت عام 2002 يوم كان ولياً للعهد. وبهذا المعنى فان هذا الموقف هو رسالة مزدوجة لكل من الإدارة الأميركية الجديدة والمجتمع الدولي بأن لا حل الا بالمبادرة العربية للسلام كمدخل لحل الأزمة الاساس في الشرق الأوسط ومقدمة لشراكة عربية دولية أكثر فاعلية في مقاربة الملفات والأزمات العالمية. وعليه، بحسب هذه المصادر، فان الاعتدال العربي، ثبّت موقفا مبدئياً بضرورة احترام المبادرة العربية والقرارات الدولية وتجاوز المزايدات الاقليمية. كيف ذلك؟
بحسب هذه المصادر، فان القيادة السعودية ومعها العرب الكبار، أدركوا منذ بداية الحرب على غزة وما رافقها وسبقها من ملابسات تتصل بعدم تجديد التهدئة، أن ثمة استدراجاً متعدد الأطراف لانهاء المبادرة العربية، والحال أن لا بديل عربياً مجمعاً عليه بديلاً منها، والحال أيضاً أن انهاء المبادرة يعني في بعض وجوهه انهاء للقضية الفلسطينية. فمحور الممانعة مع راعيه الاقليمي بنعيه المبادرة العربية لاقى رغبة اسرائيلية بإنهاء عملية السلام وترويج خطة تقوم على ارتكاب ترانسفير جديد بحق فلسطينيي الداخل أو استئصالهم بالآلة الحربية المدمرة، فكان لا بدّ من استدراك عربي يعيد وضع الأمور في نصابها عبر التلويح، لاسرائيل والمجتمع الدولي، بأن المبادرة العربية لن تبقى مطروحة الى الابد اذا لم تجر الاستجابة لمتطلباتها (وللتذكير فإن من أبرز بنودها احترام القرارات الدولية بما في ذلك القرارات 194 و242و338)، من دون ان يتم سحب المبادرة الذي من شأنه إراحة اسرائيل من متوجبات السلام وفتح باب التفاوض المباشر امام بعض العرب الذين لم ينجدوا أهالي غزة إلا بالخطب ومواقف التنديد ثم بقرار "تجميد" العلاقات باسرائيل.
التضامن يعني رفض المحاور
على المستوى العربي، تعتبر هذه المصادر أن ما جرى في الكويت إنما يمثل حجر الزاوية في اعادة بناء التضامن العربي الذي كاد ينهار حول غزة بعدما أظهر اجتماع الدوحة عمق الانقسام بين محورين مختلفين، وبالتالي فان المبادرة في حدودها الدنيا سترسي، أو يفترض بها أن ترسي عملاً عربياً مشتركاً على قواعد متينة تتلاءم والتطورات التي نشأت بعد الحرب الاسرائيلية على غزة وتوحيد الموقف العربي في المحافل الاقليمية والدولية للتصدي لاسرائيل ونسف اي مؤامرة تحاك للشعب الفلسطيني.
فسياسة التضامن العربي، تضيف هذه المصادر، ومنع اختراق الصف العربي والحؤول دون تقسيمه وتحويله الى محاور متنافسة هي الورقة الأساس التي يملكها العرب في محاورة العالم على قاعدة صلبة، وهي السلاح الأفعل في وجه المخططات الإسرائيلية لانهاء القضية الفلسطينية، فيما يبقى التركيز على اجراء مصالحة فلسطينية منشودة، جرى تمهيد الطريق لها، على أن يليها حوار هادئ بين السلطة الفلسطينية وحركة "حماس" للتفاهم على أجندة وطنية موحدة تعيد ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي عبر بناء المؤسسات الدستورية من انتخابات تشريعية ورئاسية ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية والانصراف الى اعادة اعمار غزة.
لبنان مختبر المصالحة
وعلى المستوى اللبناني، لم تستبعد هذه المصادر أن تنعكس المبادرة السعودية، ايجاباً على الساحة الداخلية، فتقوّي ظروف الحوار الوطني، وتزيل العقبات التي كانت تؤخره وتفسح في المجال امام التوصل الى استراتيجية دفاعية تحمي هذا البلد ولا تعرضه لاخطار اعتداءات اسرائيلية جديدة عليه. فالاجماع أو شبه الإجماع اللبناني على الترحيب بما جرى في الكويت يعطي مؤشراً جيداً يعكس قناعة لدى الأطراف الداخلية بضرورة الالتزام بمتوجبات المصالحة العربية وتفعيل التهدئة والانصراف لمعالجة الملفات الداخلية على قاعدة المصلحة الوطنية وتحصين الداخل عشية استحقاق الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل.
ويبقى أن الأنظار متجهة صوب طهران لمعرفة ردة فعلها على المصالحة العربية، وما إذا كانت ستسمح لشركائها العرب في "محور الممانعة" بالمضي بها أم سيكون مصير كل ذلك كمصير اتفاق مكة بين "فتح" و"حماس" في العام 2007 الذي أطيح قبل أن يجف حبره.