#adsense

حماس.. وديغول

حجم الخط

"حماس".. وديغول!

لم يخيّب قادة "حماس" في دمشق الظن السيء بسياساتهم وبتوجهاتهم بعد العدوان على غزة يا اخوان، فأكملوا ما كانوا بدأوه في حزيران من العام 2007، وتابعوا النقش في لوحة دموية غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني الداخلي قديماً وحديثاً… استكملوا عدة الحرب الأهلية ودفعوا بآلياتهم الى التحرك بعد لحظات فقط على وقف الآلة العسكرية الإسرائيلية عن الحركة والتنكيل بالقطاع وأهله.

لم تغب صورة الانقسام طويلاً. ولم تستطع دماء الغزاويين المسفوكة على أيدي الإسرائيليين، ردم الهوة التي حفرتها "حماس" بدأب وإصرار كبيرين في الجسم الفلسطيني. ولم يشفع توحيد إسرائيل لضحاياها باستهدافهم من دون تمييز، في منع قيادة تلك الحركة من العودة الى ما نجحت به تماماً، أي تقسيمهم الى وطنيين وعملاء، ومقاومين ومساومين، وممارسة احكامها انطلاقاً من ذلك… فأخذ "أبطالها" في غزة يسائلون أعضاء "فتح" عن مصدر السلاح الذي قاوموا به العدوان الإسرائيلي طالبين مصادرته!

ممارسات أكثر وأخطر وأكبر حكى عنها مسؤولون في "فتح" ومنظمة التحرير، وخضعت لجدل عبر شاشات التلفزة على الهواء مباشرة وكلها، في تفاصيلها المرعبة، تؤكد ما ذهب اليه كثيرون، من ان الهمّ الأساسي لـ"حماس" كان ولا يزال إحكام السيطرة على القطاع، وتحويله الى نقطة ارتكاز لإقامة سلطة غير متنازع عليها، والتمسك بها مهما كلّف الأمر، أي حتى لو كان ذلك الأمر عدواناً إسرائيلياً غير مسبوق من جانب، وفتحاً غير مسبوق بدوره لحرب أهلية فلسطينية مريرة الى آخر حدود المرارة واليأس من جانب آخر.

ليس ذلك اتهاماً سياسياً مغلفاً بكلام بعيد عن الواقع، بل هو التفسير الوحيد لكلام خالد مشعل الأخير من دمشق، وهو كلام لا يحتاج الى تبرير ولا قراءة معمقة أو سطحية. إذ انه كان واضحاً الى حدود مفاجئة: السلطة في غزة لـ"حماس"، والكلام العربي والدولي في أي شأن يتعلق بالقطاع ومستقبله يجب أن يكون معها، والبرنامج السياسي للحوار الوطني المنشود يجب ان يتم على قاعدة الاعتراف بشرعية المقاومة.. بإعتبار ان الفلسطينيين ولدوا في السويد وترعرعوا في منتجعات سويسرا، ولا يعرفون شيئاً عن المقاومة والمقاومين وحقيقتها وحقيقتهم الى أن جاءت "حماس" وعلّمتهم!

…لم يكن كلام مشعل أيضاً ملتبساً أو في حاجة الى قراءة أولى وثانية، فهو يعكس بوضوح ارتباطه بالمحور الممتد من طهران الى دمشق، وبكل تفاصيل سياساته. وكما حالنا في لبنان مع بعض أهل الممانعة، فان مشعل يفتح النار في كل الاتجاهات تحت شعار المقاومة، وفي مرامه اعتبارها الخيار الوحيد المتوفر في مقابل الخيارات السلمية الأخرى، غير منتبه على ما يبدو، الى ان الأفق المقصود من وراء "مقاومته" بالنسبة الى أولياته، عبّر عنه بوضوح الرئيس بشار الاسد عندما قرَنَهُ بالسعي الى التسوية السلمية ليس إلا.

لكن قبل ذلك، فإن الواضح بالنسبة الى مشعل و"حماس" ـ دمشق ـ طهران، هو الانخراط التام في تلقف وترجمة القرار المتخذ سلفاً، بأن "السقوط السياسي في غزة ممنوع حتى لو أبيدت مع أهلها"، توقفت الحملة العسكرية دون ذلك فكان لا بد من لجم أي "محاولة" داخلية للتشكيك بوحدانية القرار والسيطرة على الأرض، وفتح الخطاب التنويري للخراب على مداه من ستالينغراد الى لندن.. وأبشروا يا أهل غزة!

يفترض كثيرون تبعاً لذلك، ان المصيبة في غزة مفتوحة على الأسوأ وليس على الاقفال أو المداواة، وان "محو آثار العدوان" سيأخذ وقتاً طويلاً جداً. غير ان المضحك والمبكي في بعض تفاصيل هذه الصورة، ان قيادة "حماس" تريد وعلى طريقة حلفائها في لبنان أيضاً، إعادة كتابة تاريخنا من جديد وعلى هواها. ناسية ان من تنفي عنهم اليوم صفة المقاومة هم أهلها وسليلتها وعشيرتها وأولها وآخرها وبُناتها وروّادها، قبل وقت طويل من ولادة "حماس" وبعض قادتها.

لا تشوّه هذه الحقيقة، أي مصطلحات طنّانة، رنّانة مقروءة بخطابية ركيكة، حتى لو كان فيها ذلك التشبيه المتحذلق المستعار من عند تشرشل وتشامبرلين وديغول وبيتان، إذ ان "ديغول الفلسطيني" محفوظ في ذاكرة شعبه اينما كان. ولم يغب إلا لأن إسرائيل من جهة، ومُضيف السيد مشعل من جهة ثانية، تواطؤا عليه لقهر إرادته الوطنية الفلسطينية المستقلة.
رَحِمَ الله ياسر عرفات، وكل قادة مقاومة فلسطين الباقية أكبر من المتاجرين بها بالأمس واليوم وغداً والى الابد!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل