#adsense

لمصلحة من تبهيت الحوار وإفراغه من مضمونه؟

حجم الخط

التباين حول الاستراتيجية الدفاعية ينحصر بمرجعية الدولة
لمصلحة من تبهيت الحوار وإفراغه من مضمونه؟!

الإثنين القادم، تنعقد الجلسة الرابعة من الحوار الوطني بإدارة الرئيس ميشال سليمان، من دون ظهور أية مؤشرات على أن هذه الجلسة ستختلف كثيراً عن سابقاتها. والواقع أنه مهما تعدّدت اقتراحات الإستراتيجية الدفاعية المقدمة من فريق الرابع عشر من آذار يبقى جوهرها واحداً، وهو إيجاد حل لإشكالية وجود سلاح فئوي، ولا يرتبط بأي من مؤسسات الدولة الشرعية، تحت عنوان الدفاع عن لبنان. أما طروحات فريق الثامن من آذار فمهما تعدّدت إنما تبقى حقيقتها واحدة، وهي شرعنة الوضع الحالي للمقاومة، وإقناع أغلبية الرأي العام بأنه هو الأفضل للبنان، وإذا ما تعذّر ذلك جرى تمييع الحوار، وإطالة أمده، وحرفه عن هدفه بموضوعات جانبية، وتسفيه الاقتراحات المقدمة من قبل الفريق الرافض لوضع المقاومة الحالي.

الدولة غائبة في استراتيجية عون الدفاعية

خلال الجلسة الثانية من الحوار الوطني الذي يديره الرئيس ميشال سليمان، تقدّم العماد ميشال عون باقتراح مكتوب حول رؤيته للإستراتيجية الدفاعية. وعلى الرغم من أن الاقتراح الذي تقدّم به العماد عون يتكوّن من عدة صفحات، إلا أن ما يقع منه في صلب الموضوع، فقرة واحدة يقترح فيها عون عسكرة الشعب، إذ يعتبر أن "الردع يقوم على تكوين قوتين، الأولى من الجيش النظامي، والثانية من المقاومة… وتكوين هذه القوى المقاتلة (الجيش) يحتاج إلى تدريب خاص على الأساليب الجديدة المعتمدة في القتال. أما قوى المقاومة فتتشكل من السكان، لذا يجب أن تغطي هذه القوى الأراضي اللبنانية كافة". ولا يحتاج اقتراح عون إلى خبرة عسكرية أو سياسية كبيرة ليظهر أنه مجرد محاولة لإلباس الواقع الراهن لبوس الاستراتيجية الدفاعية الصالحة للبنان، (والتي سرّب عون لاحقاً أن أساطين العلم العسكري في أكاديميات سويسرا العسكرية في طريقهم إليه لأخذها منه واعتمادها مادة تدريس!).

غير أن اقتراح عون يضيف إلى الواقع الحالي إضافتين، الأولى تتعلق بالجيش لجهة "اعتماد أسلوب قتالٍ بوحدات صغيرة تستطيع التخفي والاحتماء، ولا تشكل أهدافاً مهمّة للطيران"، وهو نفس ما ورد مطوّراً في الاقتراح الذي تقدّم به الدكتور سمير جعجع في استراتيجيته الدفاعية عندما دعا إلى "تفعيل الوحدات الخاصة" واعتمادها أسلوب "حزب الله" في القتال. أما الإضافة الثانية فتتعلق بالمقاومة حيث اقترح عون تعميمها على الأراضي اللبنانية كافة، ما يعني إخراجها من فئويتها المذهبية والحزبية حالياً. لكن عون أبقى دور الدولة غائباً عن المقاومة المعممة على الشعب، بحيث لا ترتبط هذه الأخيرة في قرارها بأي من مؤسساتها، وكما قال النائب ميشال المر فإن اقتراح عون يعني أن "يفلت الملق"، لأننا سنكون أمام "مقاومات" متعددة، ربما ستحتاج لاحقاً إلى قوات فصل لمنعها من الاشتباك فيما بينها، فضلاً عن ضياع قرار السلم والحرب فيما بينها، والسماح لدخول الأجنبي على السياسة الدفاعية للبلد من خلال دعمه لهذا الفريق أو ذاك. وفوق ذلك كله فإن اقتراح عون لن يعفي الدولة ولا عموم الشعب اللبناني، من تحمل تبعات أي عمل يرتكبه أحد فرقاء المقاومة، ولعل عون يرد على ذلك باقتراح غرفة عمليات مشتركة بقيادة "حزب الله" فتكون عند ذلك استراتيجيته المقترحة، ليست إلا تأصيلاً عسكرياً غير مهني، لعين الواقع المختلـَف حوله راهناً.

… وغائبة أيضاً في استراتيجية "حزب الله" المفروضة

بطبيعة الحال فإن دور الدولة مغيب أيضاً في الاستراتيجية التي شرحها بإسهاب أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله، في الجلسة السابعة للحوار الوطني الذي كان يديره الرئيس نبيه بري قبل حرب تموز. لم يحمل شرح نصر الله حينها أي جديد، إذ كان جوهره الإشادة بالوضع الحالي وتبيان محاسنه، ويعتبر "حزب الله" الآن بأن تجربة العدوانين على لبنان وغزة، قد أعطتا مصداقية إضافية لرؤية الحزب للإستراتيجية الدفاعية. ولا يبدو "حزب الله" على الرغم من مشاركته في طاولة الحوار الوطني، بصدد التخلي قيد أنملة عن الواقع الراهن للمقاومة. حتى اقتراح العماد عون بتعميم المقاومة لن يكون مقبولاً، ما لم تكن مرجعية كل المجموعات المقاوِمة التي ستنشأ بيد "حزب الله".

ومعنى ذلك أن ما يقترحه "حزب الله" على اللبنانيين هو ما يفرضه فعلياً عليهم، فإما القبول به وإما انتظار نتائج جلسات حوار لا تنتهي، ولا تمنع من استمرار الحزب باعتماد الإستراتيجية التي يراها هو مناسبة. وأثناء هذا الوقت لا يجد "حزب الله" إجابة مقنعة للبنانيين الخائفين من سلاحه، سوى القول إن مقاومته وطنية، وإنها لكل اللبنانيين، وإن سلاحها لن يستخدم في الداخل، بينما الواقع أنها لا ترتبط بأي من مؤسسات الدولة الوطنية، وأنها محصورة بفئة من اللبنانيين، وأن سلاحها استُخدم في الداخل في السابع من أيار، دون صدور أية إشارة اعتذار أو ندم لاحقة، بما يطمئن الناس بأن الكَرّة لن تُعاد.

ولعل أكثر ما يلفت في مقاربة "حزب الله" وفريق الثامن من آذار لموضوع الإستراتيجية الدفاعية اعتبار أن هدف الاقتراحات التي قـُدمت في هذا المجال، من قبل فريق الرابع عشر من آذار، هو نزع سلاح المقاومة وليس الدفاع عن لبنان. وهذا يعني عملياً أن "حزب الله" يعتبر أن انتقال مهمة الدفاع عن لبنان من الإطار الحزبي إلى الإطار الوطني أمر غير مقبول، وأنه مجرد أسلوب مموّه لنزع سلاحه. وبذلك يتبنى "حزب الله" ضمناً ما يرفض نعته به، وهو أنه "حزب السلاح"، على اعتبار أنه بهذه الرؤية يجعل من بقاء السلاح بيده غاية بحد ذاتها.

التجربة السويسرية مذمومة أيضاً!

في 4-10-2006 أعلن الأمين العام لـ"الجماعة الإسلامية" الشيخ فيصل مولوي رؤية الجماعة للإستراتيجية الدفاعية، التي تنطلق أساساً من "الحرص على تحصين القوة الدفاعية للبنان، باستلهام نموذج التجربة السويسرية في الدفاع"، مقترحاً أن تكون "المقاومة الشعبية جزءاً من استراتيجية الدولة الدفاعية، تعمل إلى جانب الجيش النظامي، وفق صيغة تقررها مؤسسات الدولة الدستورية، بما يحفظ حق الدولة بقرار الحرب والسلم، وعلى أن ترعى الدولة وتنظم هذه المقاومة، مما يجعلها مقاومة وطنية مفتوحة أمام جميع اللبنانيين، ودفاعية بحتة". كان ذلك أول اقتراح للإستراتيجية الدفاعية يعتمد على النموذج السويسري. الاقتراح الذي تقدّم به الدكتور سمير جعجع في جلسة الحوار الثالثة بتاريخ 22-12-2008 اعتمد النموذج نفسه، فأخذ منه "النموذج الدولتي، ومن حزب الله النموذج العملاني".

رد الفعل على هذا الاقتراح جاء متنوعاً، فقائل يعتبر أن لبنان ليس سويسرا، وآخر يربط ذلك بوجود احتلال في شبعا وبحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بينما ذهب أحد "الجهابذه" إلى حد القول إن النموذج السويسري صنعه اليهود تاريخياً وإن اعتماده حالياً في لبنان يخدم "إسرائيل"!. هكذا وبعملية خداع واضح للرأي العام باتت المطالبة بمرجعية الدولة خدمةًً للعدو، وبات الحياد عن صراعات المحاور الإقليمية مذموماً، ويعادل الخيانة القومية!. علماً أن الاستراتيجية التي تقدم بها الدكتور سمير جعجع تدعو نصاً لـ "الاعتماد على نموذج حزب الله الناجح، ولكن بتطبيقه في الأطر الشرعية ذات الصفة"، وفي مسألة الحياد تقول ما نصه: "إن تبنّي لبنان سياسة الحياد، لا يعني إطلاقاً تخلّيه عن القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية… إن الحياد لا يُعفي لبنان من مسؤولياته في دعم أي مسعى يُنتج حلاًّ عادلاً ومُنصفاً للقضية الفلسطينية، ويؤدي إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين في الشتات إلى ديارهم"، وبخصوص مزارع شبعا تقترح "اتّفاق اللبنانيين وبصوتٍ واحد، على مطالبة سوريا بتوقيع وثيقة مُشتركة مع السلطات اللبنانية تؤكد على لبنانية مزارع شبعا".

… والباقي تفاصيل
وإذاً، فإن النقطة المحورية في كل الموضوع هي مرجعية الدولة، بما تعنيه من احترام للنظام السياسي اللبناني وللتفاهمات الميثاقية، واستعادة قرار السلم والحرب وطنياً، وجعل الدفاع عن البلد حقاً وواجباً غير محصور بفئة. وبعد ذلك يمكن للاقتراحات العملانية أن تتعدد، والأفضل إحالتها إلى لجنة مختصين لاقتراح الصيغة العسكرية الملائمة، إنما بعد إتفاق المتحاورين على أن الدولة اللبنانية بمؤسساتها الشرعية هي المرجعية الأولى والأخيرة لكل التشكيلات القتالية المعنية بالدفاع عن لبنان، بما فيها المقاومة الشعبية (اقتراح الجماعة الإسلامية)، أو الحرس الوطني (اقتراح القوات اللبنانية) أو أي مسمى آخر. ولأن هذه النقطة هي مناط الحل فإنه سيبقى أسلوباً مفضلاً لدى فريق الثامن من آذار، بث الكثير من الكلام "خارج الموضوع" والتفلسف على الناس، والاستحضار الدائم لنظرية المؤامرة، من قبيل إثارة نقاش هامشي حول جدوى منظومة الصواريخ الدفاعية من عدمه، وأهمية طائرات الميغ 29 في الدفاع (مع نسبة أقوال لهذا الفريق أو ذاك بقصد إثارة الشقاق)، و"شيطنة" الفريق الآخر في كل ما يقوله أو يفعله. فضلاً عن استعادة مآثر "الممانعة" منذ صدور القرار 1559 ولغاية اليوم!.

في الجلسة القادمة ستظهر اقتراحات جديدة، لكن جميع المشاركين في الحوار موقنون أنه لن يفضي إلى نتيجة في المدى المنظور، بانتظار ظروف إقليمية ومحلية تسمح لـ "حزب الله" بتقبّل فكرة أن الدولة وحدها هي التي تنظّم عملية الدفاع عن الوطن، ومع ذلك فإن الجميع "مجبر" على الحوار… من أجل أن يبقى الحوار، ولا يتحوّل الخلاف إلى صراع.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل