#adsense

الكتلة الوسطية حجر الزاوية في العهد الجديد

حجم الخط

الكتلة الوسطية حجر الزاوية في العهد الجديد

حتى يصبح ممكناً، الحكم على النواب الوسطيين في شكل عادل وموضوعي، لا بد من العودة الى ‏التاريخ النيابي اللبناني، لمعرفة ما اذا كان نواب الوسط قد لعبوا ادواراً مؤثرة في ‏الحياة النيابية.

او ان وجودهم كان هامشياً، ولم يتعدّ رفع الايدي، وكانوا حقيقة كما ‏وصفهم العماد ميشال عون بان لا طعم لهم ولا لون ولا رائحة.

وحتى لا نغرق كثيراً في تعداد ‏مواقف الوسطيين منذ الخمسينات حتى اليوم، حيث كان لهم صولات وجولات في الحياة السياسية – ‏النيابية، نتوقف في شكل خاص عند كتلة الوسط النيابية التي برزت في الستينات من القرن ‏الماضي والتي لعبت دوراً كبيراً جداً وفاعلاً، ما زال لبنان يعيش تداعياته حتى ايامنا هذه.

‏ في ايام عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب، وبعده عهد الرئيس شارل حلو، كانت البلاد مقسومة ‏بين كتلة النهج الشهابي، وبين كتلة تحالف الرئيس كميل شمعون والعميد ريمون اده، الى ان ‏انضمت الى هذا التحالف كتلة حزب الكتائب برئاسة الشيخ بيارالجميل.

وبعيداً عن هاتين ‏الكتلتين برز تكتل جديد، سُمي يومها «تكتل الوسط»، وكان يضّم الرئيسين كامل الاسعد وصائب ‏سلام، والوزير سليمان فرنجية – قبل ان ينتخب في العام 1970 رئيساً للجمهورية – والنواب ‏المؤيدين لهم.

وقد استطاع هذا التكتل، ضمن مناورات سياسية ذكية، من دفع الرئيس شهاب ‏الى العزوف عن القبول بتجديد ولايته في العام 1964، والى العزوف عن الترشح لولاية اخرى في ‏العام 1970، كما تمكن من شق صفوف «تكتل النهج» واستمالة عدد من نوابه لينتخبوا معهم ‎سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، بعدما كانوا نجحوا في منع وصول كل من شمعون او اده او ‎الجميل الى الرئاسة ما اضطر هؤلاء الى القبول بفرنجية خوفاً من وصول «الشهابي» الياس ‏سركيس الى منصب الرئاسة.

‏ ان هذا التذكير السريع بالدور المؤثر الذي لعبه تكتل الوسط في حقبة الستينات الماضية، ‏انما هو للتأكيد على ان تكتل الوسط يمكن ان يكون له طعم ولون ورائحة، وتأثير كبير في ‏الحياة السياسية لو قيّضت له قيادة واعية ذات شخصية قوية، وهذا واقع سياسي معمول به في ‏مختلف دول العالم، وهذا التكتل، هو المؤهل لاستمالة العدد الاكبر من جمهور الاكثرية ‏الصامتة، والاقليات المستاءة من مواقف هذا التكتل او ذاك، اذا تمكن من ان يكسب رضاها ‏واقناعها بالافكار التي يطرحها والشعارات التي يرفعها، كما يمكن ان يتحوّل بدوره الى تيار ‏سياسي كبير في حال اثبت صدقيته والتزامه بما وعد به الناس.

‏ ‏***‏ اما لماذا نرى ان العماد ميشال عون هو الاكثر تأثراً بقيام مثل هذا التكتل، فذلك – من ‏ضمن تحليل لهيكلية تكتل التغيير والاصلاح – لأن هذا التكتل يضم بين صفوفه، بالاضافة الى حزب ‏التيار الوطني الحر، حزباً واحداً فقط هو حزب الطاشناق، فيما باقي نواب التكتل، اما انهم ‏افراد مستقلون او كتل محلية، وهم على استعداد في اي وقت لنقل البارودة من كتف الى آخر، ‏وقد يكون تكتل الوسط بالنسبة اليهم ممراً يعبرون منه الى مكان سياسي آخر، في حين ان تكتل ‏‏14 آذار هو مجموعة من الاحزاب المتحالفة، بحيث يصعب ان يفلت الحزبيون او المحازبون الا اذا ‏انهار التكتل في شكل كامل، ولكن هذا الامر لا ينفي ان العدد القليل من الشخصيات ‏المتحالفة مع تكتل 14 آذار قد تجد في تكتل الوسط مكاناً جديداً لها «تلطي» تحت جناحه ‏بانتظار «نقلة» اخرى الى تكتل اخر.

‏ ليس بالضرورة ان يكون تكتل الوسط صوت رئيس الجمهورية، او صوت الدولة، بل ان هناك ‏مسؤولية كبيرة تقع على عاتق هذا التكتل- اذا وجد – لتصويب اداء الدولة، في المناصب ‏الكبرى والمؤسسات، وعليه ان يقف احياناً في صف المعارضة، اذا كانت مصلحة الوطن والدولة ‏تقضي بذلك، حتى لو تعارض موقفه هذا مع الاكثرية الحاكمة، وهنا يمكن فهم ما عناه الرئيس ‏ميشال سليمان عندما ايّد قيام تكتل يكون لمصلحة الوطن، خصوصاً وان الرئيس سليمان ذاته ‏يتفق احياناً مع مواقف وطروحات يعلنها تكتل 14 آذار، واحياناً – يختلف معها، والامر ‏نفسه ينسحب على تكتل 8 آذار.

ولذلك فان التخوف من قيام كتلة وسطية قادرة على اضعاف ‏سيطرة كتلة من الكتلتين، بما يخدم المصلحة العامة ليس في محلّه، بل هو مطلوب في هذه الفترة ‏الصعبة والمضطربة التي يمر فيها لبنان، والتي قد تكون اصعب بعد الانتخابات النيابية وما ‏تعززه من نتائج وذيول.

‏ ان الانتخابات النيابية على قاعدة النظام النسبي، هي الوسيلة الفضلى لتظهير حجم الكتلة ‏الوسطية شعبياً، وهي المدخل لايصال كتلة نيابية محترمة الى مجلس النواب، تستطيع ان تمارس ‏الحياد الايجابي ما بين الموالاة والمعارضة، وبذات الوقت تمارس قدرتها على مراقبة انتظام ‏الحياة الديموقراطية، وكذلك مراقبة انتظام عمل المؤسسات العامة والخاصة.

‏ الوسطية ليست بعبعاً، ولا «طرطوراً»، بل يصّح ان تكون حجر الزاوية في بناء العهد الجديد.

المصدر:
الديار

خبر عاجل