الأفرقاء الداخليون امتنعوا عن تقويم حرب غزة تجنّباً لانقسامات
الخشية قائمة من ارتدادات على لبنان وانتخاباته
في حسابات الربح والخسارة حيال تداعيات الحرب التي شنتها اسرائيل ضد غزة، على لبنان سياسياً بعد عبوره القطوع العسكري والأمني بسلام وبالحد الأدنى من الأضرار، بالنسبة الى مراقبين ديبلوماسيين، ان فريق قوى الثامن من آذار ستترتب عليه انعكاسات سلبية مباشرة نتيجة هذه الحرب ربما تتبلور أكثر فأكثر في المراحل اللاحقة. وهؤلاء ادرجوا ما تعرض له رئيس الجمهورية من حملة انتقادات وضغوط لم تقتصر على التظاهرة اليتيمة التي نادت بشعارات تصب في هذا الاطار، بل طالت مواقف ومنابر اخرى، في اطار المخاوف من هذه الانعكاسات التي ستترجم نفسها في الانتخابات النيابية المقبلة على أقل تقدير. فالافرقاء اللبنانيون، او غالبيتهم لم يدخلوا في تقويم حرب غزة بعد وقف النار الذي حصل في نهاية الاسبوع الماضي ربما تجنباً لانقسامات جديدة في الداخل اللبناني لأسباب غير محلية او غير لبنانية، او ربما كنتيجة مباشرة من نتائج المصالحة التي دعا اليها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز وقادها في لقاء مشترك عقد بينه وبين قادة مصر وقطر وسوريا الى جانب الكويت. وكانت نتيجة هذه المصالحة، وان لم تتعد الشكل او اطار الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح في انتظار زيارة ترددت معلومات ان الرئيس السوري بشار الأسد سيقوم بها قريباً للرياض، ان نأى الافرقاء اللبنانيون عن تقويم الحرب على غزة. وما صدر من مواقف تثمّن انتصاراً حصل لحركة "حماس" لا يعبّر ضرورة عن واقع الأمور ميدانياً في غزة.
لكن هذه المواقف اظهرت أمرين، احدهما اعتبر في غاية الايجابية هو عدم التورط في حرب قد ترتد على لبنان. والآخر ان هذا العامل نفسه ينعكس سلباً، اذ ان بعض هذه الشعارات التي ترفع لا يمكن الخوض في تحقيقها عشوائياً ومن دون حسابات دقيقة، مما يساهم في تقوية اوراق فريق الاكثرية في لبنان ومواقفه في هذا الصدد وان بطريقة غير مباشرة. وهذا الأمر ادركته قوى رئيسية بسرعة فارتدت على رئيس الجمهورية، بدافع الخشية من كتلة وسطية تدعمه، في حين يبرز حديث عن ممانعة اقليمية واخرى محلية من قوى 8 آذار لكتلة من هذا النوع، وصيغت هذه الممانعة في نصائح وآراء الى رئيس الجمهورية بعدم الخوض في هذا المجال او دعم كتلة وسطية، علما انها تبدو ككرة ثلج يكبر الحديث عنها يوما بعد يوم.
هذه الحسابات، او الاستخلاصات، تترك المجال لمخاوف تعكسها الاوساط الديبلوماسية في صيغة سؤال عما اذا كانت الانتخابات النيابية ستحصل في موعدها او عما اذا كان هناك اطمئنان كاف لعدم عودة الاغتيالات في شكل خاص، معزز بسؤال عن موعد توقف الاغتيالات التي حصلت في العام الماضي، واذا كان ارتبط وقفها بتطورات معينة من اجل الاطمئنان الى عدم حصولها مجددا؟
هذه المعطيات يعطفها هؤلاء على واقع مرتبط بجملة امور، احدها ان الوضع في غزة على ذمة المعلومات المتوافرة لدى المصادر مختلف الى حد بعيد عما سبق لجهة الدعم الذي كانت تحظى به حركة "حماس"، على رغم الصيغ المختلفة في قراءة الانتصار الذي تعتبر انها حققته في هذه الحرب. ومن هذه الامور ايضا ان لا مجال للالتفاف على دور اساسي ومحوري لمصر وتلقى دعما في مجلس الامن وكذلك دعماً اوروبياً وعربياً في قمة الكويت، بحيث ارسى قاعدة موجودة اصلا هي عدم القدرة على تجاوز اهمية مصر بالنسبة الى غزة، تماما مثلما يعتبر كثيرون ان لا قدرة على تجاوز سوريا في موضوع لبنان من حيث ربط صلته بالعمق العربي، على رغم ان للبنان شاطئاً حراً يقيم له صلات بالعالم، والامر الذي ينطبق على موضوع الاعتراف بحركة "حماس" والبدء باعادة اعمار غزة. اذ ان اي تعاط والحركة على مستوى الاعتراف الشرعي او الرسمي الذي ترغب في الحصول عليه مرتبط على نحو واضح وصريح بتهدئة تتعدى الاطار الموقت الى التهدئة الدائمة وبالانضواء في حكومة وحدة وطنية مع حركة "فتح" وسواها، وفق المعادلة التي ادخلت "حزب الله" في الحكومة اللبنانية، مما اتاح اعترافا اكبر به والتعامل رسمياً وشرعياً معه انطلاقا من مشاركته في مجلس النواب والحكومة. وهذه الاتجاهات الاوروبية واضحة تماما في هذا الصدد باعتبارها خطوة الى الاقرار الاميركي بالمعادلة نفسها او في الاتجاه نفسه. وهذه والمصالحة الفلسطينية – الفلسطينية هي التي ستسمح للدول العربية وسواها من الدول العاملة على هذا الخط بالطلب من الاميركيين والادارة الجديدة برئاسة باراك اوباما تطبيق مجموعة التزامات حيال القضية الفلسطينية تتوافر عناصر قوتها في واقع جديد مختلف ميدانيا.
وترجمة هذا الواقع وفق هذه الصورة تستمر في اثارة خشية من ارتدادات في لبنان في شكل أو آخر.