#adsense

تَصَالح الزعماء فهل يتصالح الفرقاء؟

حجم الخط

تَصَالح الزعماء فهل يتصالح الفرقاء؟

بالإمكان تطبيق المثل القائل "رب ضارة نافعة" على ما جرى في أحداث الحرب الوحشية على غزة، وبما آلت اليه الخلافلات العربية في الآونة الأخيرة التي كادت ان تزلزل النظام العربي وان تهز بنيانه لو ظلت التجاذبات على وتيرتها غير المستقرة، خصوصاً عما تردد عن اوساط مسؤولة سورية عشية قمة الكويت الاقتصادية بأنها ستفتح نيرانها على منابر الجلسة، التي كانت تنتظر رداً متشدداً من قبل القيادة المصرية دفاعاً عن مبادرتها ومساعيها التوسطية. الا ان المبادرة التصالحية السعودية اتت في وقت حساس ومطلوب لانهاء كافة التوقعات "الملتهبة" وهو انجاز للمملكة العربية السعودية مكملاً للانجازات السابقة، وفي طليعتها مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002 كفرصة قيمة للحل الشامل في الصراع العربي الاسرائيلي، وهناك كذلك الوساطة السعودية في جمع القيادات المرجعية الدينية العراقية لابرام اتفاقية تفاهم 2006 ثم اعقبها المصالحة الفلسطينية الفلسطينية التي عرفت باتفاقية مكة. وان تنوعت الآراء والمواقف عن دوافع المصالحة في الظرف الراهن منها ما يتعلق بتسلم الرئيس الأميركي الجديد مقاليد الحكم او تلك المتعلقة بخطورة الوضع العربي الآيل نحو الانهيار، غير ان الحاصل في هذه "القفزة" الجريئة هي صورة "مثالية" للعالم العربي عن مكانة السعودية في التأثير على المتغيرات الشائكة اثناء الازمات الخانقة من زاوية ثم حضورها الفاعل بمساندتها ومساعدتها للدولة اللبنانية لا يمنعها في اثبات قدرة مركزيتها في احتواء الخصومات المتفاقمة او استعادة دورها المواجه الصلب ضد الاعتداءات الى جانب القضية الفلسطينية على على غرار ما كان شهادة دائمة لها في حرب 1973 من زاوية اخرى. وكأنما الملك عبدالله بن عبد العزيز اعلن ان الشرذمة العربية ممنوعة ما دامت المروءة العربية حاضرة ولا يستطيع احد اغتيالها في الوقت والمكان الذي يحلو له، لا سيما عندما أعرب صراحة: "ان قطرة دم اغلى من كنوز الارض" فقد تأثر كثيرون به وداع بعضهم يرفع صوته: هكذا كلام الرجال وان كان الخطاب وجيهاً وهادفاً فالمبادرة السعودية احتوت في جوهرها على شقين اساسيين:

أولاً: المصالحة العربية الرباعية: سوريا ـ السعودية وسوريا ـ مصر والاردن كذلك بين قطر ومصر قد اثبتت مدى الارادة الحقيقية في سبيل تطويق فجوة الانقسامات وتجاوز الصعوبات الجمة.

ثانياً: اشهرت السعودية انذاراً مبكراً في وجه اسرائيل عشية موافقة رئيس الحكومة المستقيل أولمرت على المبادرة العربية في ايلول المنصرم عبر استخدام اللجوء بسحب المبادرة من الطاولة في حال تعنت اسرائيل بخيار الاعتداء المستمر على الشعب الفلسطيني وهذا موقف يكافأ عليه بألف حساب وتمنينا يوماً لو لوح به بعض المعنيين المسالمين للحد من الاجرام الاسرائيلي. وفي مقابل ذلك لم نلحظ ان ايران دعت الى مصالحة عربية عربية يوماً ما بل ان اللوم دائماً واقع على عاتق العرب في كل صغيرة وكبيرة دون ان تتخذ موقفاً واضحاً في كيفية التعاطي مع حرب غزة بحيث برزت تصريحات رفيعة متناقضة منها من دعا الى ارسال افراد او فرق لمناصرة المقاومة ومنها من أحجمت على المساهمة الدفاعية في الحرب مبررة ذلك ان البعد الاساسي للعملية العدوانية هو جر ايران الى قلب المعركة.

الجدير بالذكر اذا كان الشهداء في غزة من رجال المقاومة لقوا حتفهم في سبيل قضيتهم المشروعة بمحض ارادتهم وبدافع ايمانهم الخالص فكان على القيادات المشرفة على تنفيذ العمليات القتالية الأخذ في الحسبان الاضرار المؤلمة الناجمة عن الاصابات والأعضاء المشلولة والمبتورة على مدى العمر بالاضافة ان عدم استيعاب بما يخلفه فك الارتباط مع السلطة الفلسطينية من عواقب مكلفة أو محاولة التخلص من قرارات السلطة بالطرق المتعددة الاوجه عن طريق الاعتراض عن سائر مساعيها لا يصل في النهاية الى نتيجة توافقية مرضية، بل تزيد الطين بلة حينما تصبح الخلافات قائمة ودبابات القوات الاسرائيلية معدة لارتكاب جرائم فظيعة على مسافة قريبة ثم تعلنها المقاومة انتصاراً لا يتخطى في الواقع الصمود الدفاعي تحت الارض. فالفلسطينيون اذن ملزمون في سائر الاحوال بجمع صفوفهم وتوحيد مواقفهم من اجل الالتفات على ما تتبناه السلطة الحاكمة والنظر في تأليف حكومة وحدوية ووفاقية تعود نحو اعادة الثقة بين كافة الاطراف، دون صرف النظر عن المثل الشاهدين اعينهم حول الرأي العام الاسرائيلي حزبياً كان ام شعبياً الذي وقف بتأييده العلني لقرار الحكومية بالحرب على غزة.

وأياً كان الامر، غزة الضحية دفعت ثمن الصراعات في المنطقة. فسوريا تعول كثيراً على مقاومة اهالي غزة بغرض استرجاع مرتفعات هضبة الجولان، بذلك هي درع يستخدم للحصول على سجل كاف يعزز موقع تشددها باستبعاد رقم كبير من التنازلات، ذات الشيء لايران التي لا تعمل على تعطيل المفاوضات وانما لاسقاطها بتعدد المحاولات طالما بأن الدول العربية تواقة لاحلال السلام في اطار الشرعية الاممية، بينما هي لا تزال تؤمن بأن القوة العسكرية هي الاداة الوحيدة لاسترجاع الحقوق المغتصبة عملاً بالمقولة الشائعة الرائجة "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، بمعنى اوضح لا خيار سوى السلاح في تسوية القضايا إلا تحت السلاح، فيما لاحظناه ان فترة ثلاثة اسابيع عاشتها غزة في اعتى الظروف وقساوة الايام لم تستخدم حينها الاسلحة الايرانية لتحقيق الاهداف المرجوة. فهل يوجد أسوأ من هذا التاريخ من اجل نجدة غزة واهلها؟ أم أن الطبيعة الجغرافية وعقبة الحكومات العربية دائماً هي الحجج الواهية لانقاذ الشعب الفلسطيني؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل