لا خير في الانقسام.. تعالوا للتوحد!
هذا هو مقتضى خطاب الملك عبدالله بن عبد العزيز بقمة الكويت، بل إنه جاء بالنص في قوله: تجاوزنا الخلاف، وعدنا للاخوة والوحدة. وجاء ذلك على لسان الملك، وفي تصرفاته. فقد التقى للمرة الاولى منذ أكثر من سنة الرئيس بشار الأسد، كما أن الرئيس المصري التقى رئيس دولة قطر، والرئيس السوري. واجتمع الجميع بالشيخ الصباح أمير دولة الكويت المُضيفة.
ولذلك فلإن كلمة الملك عبدالله بن عبد العزيز كانت بمثابة الخاتمة لأيام وليال من العمل الجاد، والمراجعة، وتبريد العقل، والإرادة والتصميم.
بيد أن المصالحة التي أشرف عليها وبادر إليها الملك عبدالله وقفت عند حدود الكلام والتصالح الشخصي وترميم العلاقات الشخصية بين الزعماء ـ على أهميتها ـ بل إن الملك قد تجاوز ذلك باتجاه المقاصد والأهداف. فقد وضع للعمل التوحيدي العربي أربعة أهداف: إعمار غزة، والإصلاح بين الفلسطينيين، والضغط على المجتمع الدولي للسير في التسوية، وإقامة الدولة الفلسطينية.
وبالنسبة للأمر الاول لا ينبغي تجاهل إعادة إعمار غزة. فلا ينبغي أن نهمل أمر إعمار غزة لأي داعٍ آخر. إذ علينا الا ندفع الفلسطينيين الى الأحساس بأن أحداً، ما تخلى عنهم، فنحن معنيون بوعي جمهورنا العربي الذي تُشنّع باسمه الفضائيات ويستخدمه للابتزاز الذين لا يريدون تحرير فلسطين، كما لا يريدون بالعرب خيراً. وفي هذا السياق، فإن إعادة الإعمار لغزة من جانب العرب الكبار، كفيل بأن يهدئ الأمزجة الثائرة، وأن يجعلنا نركز على ما هو أهم بدلاً من البقاء في الصغير والكبير معاً، وعرضة للابتزاز والتقولات.
أما الأمر الثاني الذي جاء في خطاب الملك من ضمن برنامجه استناداً الى المصالحة الجديدة فهو: الإصلاح بين الفلسطينيين. وهذا حديث مضن ومؤلم أكثر من إيلام الانقسام العربي. إذ انه من غير المعهود لدينا وفي وعينا أن ينقسم الفلسطينيون بالذات هذا الانقسام. أما الثوريون القوميون واليساريون فقد كان من المعهود أن ينقسموا بشأن الأمانة للنظرية، وبشأن أساليب النضال، لكنهم باستثناء قلة ضئيلة ما تركوا منظمة التحرير.
فالمسألة مع الفلسطينيين أن قضيتهم من نوعٍ خاص، بحيث يعتبر الخلاف حولها (والوصول الى الاقتتال!) محرماً دينياً وسياسياً، لأنه ينهي القضية، ويضيع عدة ملايين من الناس، ونضالات ثمانين عاماً وأكثر. ويزداد الأمر فظاعة عندما نعرف أن الانقسام كان في جزء كبير منه صراعاً على السلطة، والبلد كله محتل. وبذلك فقد كانت أوسلو مشكلة بالنسبة لفتح التي ما مكنتها إسرائيل من السير فيها، لكنها كانت مدعاة للصراع مع حماس. والحجة كانت أن حماساً ضد أوسلو، أما الحقيقة فهو أن الصراع نشب على السلطة وما يزال. وسار الطرفان باتجاهات متناقضة، واختاروا حلفاء متناقضين. وعندما استحال على حماس البقاء في رئاسة الحكومة الفلسطينية بسبب الازعاجات من فتح، ومن إسرائيل، والدوليين، عمدت للاستيلاء على غزة، فتحولت من تنظيم مقاوم الى سلطة مسؤولة عن مليون ونصف المليون مواطن فلسطيني. وبحكم الحصار والمماحكات، ووجود القيادة بدمشق ثم بطهران، صار معروفاً أن حماس أدخلت نفسها في محور يصعب عليها أن تخرج منه بأي اتجاه حتى لو خرجت سوريا أو أعادت تموضعها! ويدل على ذلك ما قامت به حماس في اليومين الماضيين: تنظيم احتفالات للنصر في معركة غزة! نعم للنصر! والحملة على السلطة الفلسطينية وإنكار حق الإشراف على إعادة الإعمار عليها، أو المشاركة في ذلك، ويغض النظر عن الضرورات الدعائية التي لا تتلائم بأي حال مع مأساة الشعب الفلسطيني، فإن المزعج في هذا كله ما يشير اليه تصرف حماس بعد فظائع غزة، إمكان فشل الحوار الفلسطيني/الفلسطيني الذي يريد المصريون تنظيمه بالقاهرة من جديد. ولذا فالذي يرجى أن تعيد حماس النظر والتفكير ـ إن كانت تستطيع ـ في إمكان قيام حكومة انتقالية فلسطينية واحدة، تعيد الإعمار، وتجري الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وهناك الأمران الآخران الكبيران: التسوية الشاملة، وإقامة الدولة الفلسطينية أو العكس أي اقامة الدولة الفلسطينية، وتحرير الجولان، طريقاً للتسوية الشاملة. ولحسن الحظ، فإن المفاوضات حول أمر اقامة الدولة لا تملك حماس فيها حق الفيتو. أما السلام الشامل، فلا دور لها ولا لايران فيه على الاطلاق. إن المسؤولية واقعة في الحالتين على عاتق اسرائيل والمجتمع الدولي. فالمستوطنات والقدس والحدود واللاجئون، كلها مشكلات واقعة لا يتفاوض الاسرائيليون حولها بجدية، رغم الكلام الكثير في الشهور الاخيرة عن التسوية والسلام الشامل من جانبهم، والذي نقضته كله الحرب على غزة. والامر نفسه في مسألة السلام الشامل، والذي يتطلب كشرط له عدم وجود اراض محتلة، أو تهديدات امنية.
وإذا كان القادة الاسرائيليون قد تخاذلوا واضطربوا امام تحديات الدولة الفلسطينية والسلام؛ فلا عذر في ذلك للمجتمع الدولي وللولايات المتحدة. أما ادارة بوش فما عملت غير السلبيات لست سنوات، وفي السنتين الاخيرتين كانت هناك الاقوال، دونما افعال كثيرة. فأولوياتها في المنطقة كانت بالعراق وبأفغانستان وبمكافحة الارهاب وبالتحالف مع اسرائيل. اما الاوروبيون فقد تحالفوا مع الولايات المتحدة ضد الارهاب أولاً، ثم عملوا بعد ذلك على استحياء من خلال الرباعية. وقد استبشروا خيراً بمؤتمر انابوليس، لكن ما جرى بعده ما أثبت شيئاً مما قيل فيه.
لكن العدوانية الاسرائيلية، والتخاذل الدولي، ان استمرا، فإنهما يتحولان الى عبء على عاتق العرب، لأنهم هم اصحاب القضية، والامة تطالب نفسها وانظمتها بالتصدي لها، ولا تملك ما تقوله للاسرائيليين وللآخرين الدوليين!
ولذا فهناك تحد كبير يتمثل في استمرار المصالحة العربية، والعمل على المصالحة الفلسطينية، والاستعداد لمواجهة تحديات التخاذل الدولي ان استمرت او تحديات التسوية ان بدأت.