#adsense

موقف سليمان من الاستراتيجية يقفل الباب على المزايدات

حجم الخط

استلهام النموذج السويسري يقتضي الإتصال المباشر لحل المشكلة
موقف سليمان من الاستراتيجية يقفل الباب على المزايدات

سكب الرئيس ميشال سليمان مياهاً باردة على بعض الرؤوس الحامية التي سارعت الى محاولة توظيف الحرب على غزة في موضوع الاستراتيجية الدفاعية في هذا الاتجاه او ذاك من خلال قوله أمام الجالية اللبنانية في الكويت، حيث حضر القمة العربية وقام بزيارة رسمية، "إن الاستراتيجية الوطنية تأخذ وقتاً، وفي بعض الدول تستلزم سنوات لوضعها". واضاف: "تظهر في كل جلسة نقاط مشتركة نسجلها الى ان يحين الوقت ويهدأ الوضع السياسي حولنا لنستطيع التخطيط لاستراتيجية وطنية تكفل قوة لبنان وقدراته". وهذا الموقف اكتسب بُعداً مهماً سرقت الاضواء منه مجموعة تطورات كان ابرزها قمة الكويت وملابساتها ثم نتائجها، بالاضافة الى تنصيب الرئيس الاميركي الجديد باراك أوباما، فلم يكن التركيز عليه بقدر ما يستحق. وتكن اهميته في انه يقفل الباب أمام جملة امور دفعة واحدة في مقدمها التوقعات بأن ثمة حلولاً عاجلة محتملة يتعين على اللبنانيين انتظارها، وتالياً ربما يصابون بالاحباط في حال لم تصبح هذه التوقعات او ربط هذا الموضوع ايضاً بالانتخابات النيابية المقبلة ونتائجها المحتملة سلباً او ايجاباً في مصلحة هذا الفريق او ذاك. وهو تبعاً لذلك اقفل الباب على المزايدات القائلة ان فريقاً ما يعطّل الوصول الى حل في هذا التوقيت بانتظار ظروف افضل بالنسبة اليه قد تظهر لاحقاً، وان الحل والربط هما في يده دون الآخرين. كما يمكن إن يأخذ الخارج كلام سليمان على انه رسالة واضحة بأن الامور سائرة على الطريق الصحيح في لبنان انما بهدوء ومن دون افتعال مشاكل، او من دون الاعتقاد ايضاً ان التأخير او التباطؤ هو تمييع وعجز لاعتبارات مختلفة. علماً ان الخارج يبدي تفهماً كبيراً لطبيعة هذا الالتزام من لبنان وصعوبته بالنسبة اليه والى ادارة الرئيس سليمان ايضاً نظراً الى حساسيته البالغة وامتداداته المعقدة.

والفريقان الرئيسيان الكبيران في لبنان راهناً لا تبدو الظروف مناسبة لهما لبت موضوع الاستراتيجية الدفاعية، اقله من حيث المصلحة المباشرة والفورية بحسب متابعين ديبلوماسيين وسياسيين. ففريق 8 آذار ربط موضوع الاستراتيجية بالانتخابات النيابية على قاعدة احتمال فوزه في هذه الانتخابات وامتلاكه الاكثرية التي تزيد حضور حلفائه من الطوائف الاخرى حول طاولة الحوار. وسعى الى توظيف ما يعتبره انتصارا حققته حركة "حماس" في الحرب الاسرائيلية على غزة في تعزيز مفهومه للمقاومة وكل منطقه في هذا الاطار. وهناك ايضا الظروف الاقليمية لما بعد بدء الادارة الاميركية الجديدة وسياستها والتطورات المحتملة على مستوى ملف المفاوضات السورية الاسرائيلية وملف الحوار الاميركي مع كل من سوريا وايران والتي يراهن عليها كل من فريقي التجاذب والصراع في لبنان أي 8 و14 آذار وعلى قدم المساواة، وان بنسب مختلفة ربما من حيث تقوية الاوراق التي يملكها والمنطق الذي يتحصن وراءه كل منهما. وهذا الامر يعرفه الجميع حول طاولة الحوار وخارجها، ولكن جلسات الحوار التي تعقد في قصر بعبدا تطلق كل مرة الجدل حول جملة أمور تتعلق بالمشاريع المقدمة من جهة والمواقف منها، ثم تحل المراوحة التي تدور فيها هذه الجلسات، خصوصا ان ارجاء انعقاد الجلسات من شهر الى آخر (في المرة الاخيرة، وكانت شهرين قبل ذلك) يطلق العنان للانتقاد والتكهنات حول عجز المسؤولين اللبنانيين عن الاتفاق في انتظار وحي او وصاية وما شابه للتوفيق بين الآراء والاقتراحات المتضاربة.

أما وأن رئيس الجمهورية أوضح هذا الالتباس الذي يمكن أن يحتاج الى مزيد من المواقف من الرئاسة الاولى في الاطار نفسه، فان الجلسات التي تستكمل ينبغي أن تتمحور في الحلقات المقبلة على خطوة أبعد مدى في رأي المتابعين أنفسهم. فهناك دراستان على الاقل حتى الآن استلهمتا النموذج السويسري في ارساء قواعد نظرية حول استراتيجية دفاعية محتملة. ويعتقد مطلعون على هذا النموذج انهما تضمنتا مغالطات كثيرة وتم اجتزاء الكثير منه. وأسقطت تفسيرات مختلفة على الكثير منه ايضا. وقد يكون من المفيد بالنسبة الى الجلسات المقبلة، ما دام ثمة استلهام أساسي من ضفتي الافرقاء السياسيين للنموذج السويسري، ايفاد اللجنة التي سينتدبها المتحاورون من أجل صوغ نقاط الالتقاء وما شابه الى سويسرا للاطلاع عن كثب ومن المؤسسات الرسمية السويسرية مباشرة على الاستراتيجية الدفاعية السويسرية، بالتزامن او في موازاة الطلب من الحكومة السويسرية ايفاد خبراء مختصين يمكن ان يشرحوا للمتحاورين طبيعته الحقيقية، في حال أصروا على اقتباس بعض من هذا النموذج، ورأوا فيه ما يلبي بعض التطلعات اللبنانية في هذا الاطار. إذ سبق لسويسرا ان سعت الى اختراق الازمة التي نشأت قبل عامين عبر دعوة افرقاء الحوار، عبر منتدبين من جانبهم، الى تبادل للأفكار حول النقاط الاساسية المختلف عليها، وصولا الى الاستراتيجية الدفاعية ولكن من دون أن يصل الحوار اليها.

كما زار خبراء واختصاصيون في هذا المجال لبنان وعرضوا خدماتهم، وألقوا محاضرات بعدما سرى على نطاق واسع تبني النموذج السويسري أو الاستعارة منه ولكن على نحو مشوه. فهذه الخطوة تقفل بابا للجدل لا طائل منه من جهة، وتظهر فاعلية وجدية لما يحصل حول طاولة الحوار من جهة أخرى بالنسبة الى الداخل والخارج على حد سواء، علما ان هذه المسألة على حيويتها لا تشكل وحدها بالنسبة الى هؤلاء المتابعين أبرز ما يجب التركيز عليه حتى تنضج الظروف الملائمة لاخراج هذه الاستراتيجية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل