الاحتمالات السلبية لاحت مع مشكلة الدستوري وانهيار التفاهمات
ما هي الدوافع وراء تجدّد الصراعات الداخلية ؟
بعض الذين اتيح لهم التواصل في الساعات الـ48 الأخيرة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري خرجوا باستنتاج فحواه ان الرجل الذي كان واثقاً ومصرّاً في فترة ما بعد اتفاق الدوحة على ان في الامكان ترسيخ نوع من المساكنة المنضبطة بين الموالاة والمعارضة تحت سقف هذا الاتفاق مقدمة لبلوغ محطة الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، مصاب بنوع من خيبة الأمل من جراء ما حصل في جلسة مجلس النواب الاخيرة من ملابسات تتصل بالتفاهم الشفوي على تسمية المجلس للاعضاء الخمسة في المجلس الدستوري.
والمحيطون ببري لا يرون الخيبة المكتومة هذه تنطلق فقط من "الضربة السياسية" التي يعتقدون انه تلقاها وجعلته في موقع المحرج أمام حلفائه، بل ان المسألة تتصل بثلاثة اعتبارات أساسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً برؤية هذا السياسي المحنّك وبالدور وبالموقع الذي حجزه لنفسه في الآونة الاخيرة وظن انه ثابت فيه.
الاعتبار الأول: انه نظّر طويلاً في مجالسه الخاصة وأمام حلفائه لمسألة تتعدى المساكنة المنضبطة مع الفريق الآخر الى حدود عقد التفاهمات مع هذا الفريق، وقد ظهرت هذه الرغبة فصيحة في ثنايا العديد من تصريحاته.
الاعتبار الثاني: ان بري يعتبر نفسه مكلّفاً امام حلفائه ملف مدّ الجسور وعقد التفاهمات وتقريب المسافات الى حد ما مع من هم في عداد الفريق الآخر.
ولم يعد خافياً ان بري ضغط على حلفائه لتسويق هذا الأمر. بل وأخذ هؤلاء الحلفاء الى مطارح لا يرغبون فيها، ولكنهم نزلوا عند رأيه وانصاعوا لتوجهه ولو قسراً.
كما لم يعد خافياً ان بري سعى ضمناً الى تمييز نفسه وموقعه في الاصطفاف السياسي الحاصل، لكي يتمكن من السير في رؤيته والثبات عند موقفه.
الاعتبار الثالث: ان بري اطمأن كثيراً الى امتداد علاقته برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط وترسيخها تمهيداً لبلوغها مراحل متطورة.
ويروي بعض المتصلين بالزعيمين انهم كانوا ينقلون نصائح من جنبلاط الى بري تتصل بمسلكيات وتطورات معينة في الجنوب خصوصاً ما يتصل منها باحدى الشخصيات التي تسعى الى دور ما في الخريطة السياسية في الجنوب.
ويضاف الى ذلك كله ان صورة بري التي ترتكز الى رصيد اساسي هو انه "ملك من ملوك اللعبة الداخلية"، ويعرف متى يقدم ويدرك متى يحجم، وقد طاولتها بعض الظلال بعد جلسة مجلس النواب الاخيرة.
بالطبع ليس بري من النوع الذي ييأس امام أول نكسة سياسية، فهو يعرف متى يرد او متى يقبض التعويض أو الثمن ولكن السؤال المطروح بإلحاح أمام تهافت تفاهم يعد احدى سمات مرحلة ما بعد اتفاق الدوحة، هل سينسحب هذا التطور نفسه على موضوع العلاقة بين الموالاة والمعارضة، فيصير أمر تسجيل النقاط من هنا ونقاط من هناك عنوان اللعبة السياسية في قابل الأيام؟
وأكثر من ذلك، ثمة من يسأل، هل حان أوان التصعيد السياسي المتبادل بين الطرفين فتعمد المعارضة الى أخذ الموالاة الى مطرح يناسبها، أو العكس بالعكس، فيتراكم الاشتباك السياسي ليتحول لاحقاً الى تعطيل وشلل واستطراداً الى تفجيرات امنية مما يفتح الابواب أمام تطيير الانتخابات أو ما شاكله؟
ثمة من يدرج الأمر كله في سياق تقطيع الوقت المستقطع وحاجة كل من المعارضة والموالاة على حد سواء الى مواد لشد العصب وتحفيز الهمم واستثارة القضايا الجاذبة حتى يأتي أوان الانتخابات ويتوجه الناخبون في صناديق الاقتراع في معركة يعتبرها الجميع المعركة الفاصلة. ولكن ذلك على بداهته ينفي احتمال بلوغ الأمور المراحل التفجيرية. وذلك مبني على جملة وقائع ابرزها على سبيل المثال:
– تلويح الموالاة برفض أي صيغ – تسووية تفضي الى مجلس دستوري ترضى عنه المعارضة.
– تلويح المعارضة باستخدام الثلث الضامن معتبرة اياه حقاً طبيعياً كما صرح الوزير محمد فنيش.
وهذا يفتح الأبواب أمام احتمال بقاء المجلس الدستوري في حال تعطيل، فتكون الموالاة ربحت بالتكتيك استدراج المعارضة الى هذا الموقف المحرج لها، خصوصاً انها كانت طوال الأعوام الثلاثة المنصرمة تضع مسألة تعطيل هذا المجلس في خانة الموالاة. وفي هذه الحال فإن الجميع أمام نقطة اولى قد تساهم في سد المنافذ المؤدية الى الانتخابات أو تعزز رغبة الراغبين في الحيلولة دون اجرائها.
قبل أيام كان ثمة "سهرة" عند الرئيس حسين الحسيني وكالعادة كان الحديث ذا شجون. وتشعب واحتد مطاولاً المواضيع ذات البعد التاريخي حيث يهوى فؤاد الرئيس الحسيني.
وعندما حاول احد الحاضرين استدراجه الى الحاضر والمستقبل سائلاً اياه عن امكان عدم اجراء الانتخابات قال الحسيني: نحن على مشارف الهاوية واتفاق الدوحة يأخذنا الى الهاوية، وكلما ارتفعت اسهم المذهبية وفعلت فعلها، كلما ضعف امكان اجراء الانتخابات في موعدها".
ومن المؤكد ان ثمة من يسأل أمام هذا الفيض من الهواجس والاحتمالات الحالكة عن المستفيد من بلوغ الأمور هذا الدرك الأسفل والى أين سيذهب الطرفان أو ما هي خياراتهما البديلة؟
بالطبع يستحيل على أحد ان يزعم رجحان كفة عدم اجراء الانتخابات، فإجراء الانتخابات أمر ليس محض محلي، فله امتدادات وجذور ابعد من ذلك ولكن المشكلة ان ثمة رغبات تظهر من هنا وتفصح عن وجود توجهات كامنة، ترمي الى تهشيم أو تشويه المناخات اللازمة التي تم التفاهم حولها في الدوحة.
فالضربة التي تلقاها الرئيس بري أخيراً لم تكن فاتحة الأمر ونهايته، والمعلوم انه قبل فترة لم يمض عليها الزمن انعقد لقاء المصالحة الموعود بين الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله ورئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري. بالطبع كان ثمة من يبني في مخيلته الآمال على هذا اللقاء وامكان تطويره الى ابعد من مجرّد مصالحة، لكن التطورات المتلاحقة اظهرت ان اقصى ما قدمه هذا اللقاء هو رسم خريطة الطريق لخطوط التماس بين المعارضة والموالاة، ومحاولة تأطير الاشتباك السياسي حتى موعد الانتخابات، ومع هذه النتيجة المتواضعة فإن ارتفاع منسوب التوتر السياسي في الأيام الاخيرة أعطى انطباعاً بأن فرص الإطاحة بهذا الأمر كله واردة بين ساعة واخرى حتى ان ثمة من يقول من باب التندر بأن الأمر كله متوقف على مقدمات نشرات الأخبار للمحطات الفضائية التي يملكها هذا الفريق أو ذاك.
وكالعادة فإن في الوسط السياسي من يرى بأن اللاعبين المحليين يملكون القدرة الذاتية على تفجير اتفاق الدوحة بكل مندرجاته، أو الامتناع عن تطبيقه، فالمطلوب من هؤلاء اللاعبين التزام الاتفاق بكل بنوده وهذا ما حصل، وتالياً الوقوف على قارعة الانتظار في انتظار تطورات اربعة من شأنها رسم وجهة المنطقة وصراعات القوى وتفاهماتها وهي: الانتخابات الاسرائيلية العامة، المحكمة الدولية في آذار المقبل، تعيين ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما لفريقه المتخصص بملفات الشرق الأوسط، والانتخابات الرئاسية الايرانية.
واللافت ان كل هذه التطورات ستكون قبل آذار المقبل أي عشية الموعد الحقيقي والاخير لانطلاقة الحملات الانتخابية في لبنان.