الوسطية والإستقلاليون
إذا سلّمنا بأن لبنان لا يزال في طور النضال من اجل تثبيت دعائم الاستقلال واستكمال بناء مشروع الدولة والدفاع عن الحريات العامة والخاصة، المهددة من الداخل والخارج في آن واحد، فيبقى القول ان المعركة السياسية التي انطلقت صيف 2004، وبلغت ذروتها في الرابع عشر من آذار، مستمرة لا بل انها بعدما واجهت كل صنوف الحروب السياسية والامنية المخابراتية (الاغتيالات) والغزوات الاهلية المتعددة الوجه – هذه المعركة ما تزال طويلة، ومعها مسار النضال من اجل الوصول الى لبنان الذي يحلم به ملايين اللبنانيين في الداخل والخارج: لبنان الحرية والسيادة والاستقلال، والتعددية، والحياد.
في لبنان مشروعان كبيران يتواجهان: الأول المشروع الاستقلالي الذي حقق انتصارات تاريخية كبرى عامي 2004 و2005، ثم مع اقرار المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة شهداء الاستقلال، والثاني المشروع الملتحق بخيارات طهران ودمشق التي ما ادت إلا الى مزيد من النزاعات الداخلية، والحروب الخارجية بالواسطة.
يتسم المشروع الاستقلالي بتنوعه، واتساع مروحته السياسية والفئوية المناطقية والطائفية. وهو يمثل حقا غالبية عظمى من اللبنانيين في كل مكان عدا البيئة الشيعية المصادرة من "حزب الله".
اما المشروع الآخر فيستند في الدرجة الاولى الى قوة "حزب الله" في الوسط الشيعي، فيما يكاد يكون اقلويا لا بل محاصراً في جميع البيئات اللبنانية الاخرى بينما ها البيئة المسيحية المفترض انها مستقطبة بحدة والتي كان الجنرال ميشال عون نجح في استدراج غالبية ناخبة منها في انتخابات 2005 على قاعدة مشروع ما لبث ان نقضه بالكامل في اقل من تسعة اشهر. والمشروع الأقلوي المذكور يستمد قوته من سلاح ميليشيوي من خارج الشرعية عنوانه "المقاومة" فيما هو سلاح موجه ايضا الى الداخل هدفه التعجيل في إحداث انقلاب شامل في الكيان، والنظام، ونمط الحياة اللبنانية وبالتالي السيطرة على "الساحة" اللبنانية كلها في اطار اجندة اقليمية ما عادت خافية على احد.
بين هذين المشروعين، يخرج خط ثالث يسمونه وسطية. وفي اعتقادنا ان الرئيس نجيب ميقاتي كان من اوائل من استعاروا هذه الصفة ليَسِموا حراكهم السياسي وتموضعهم على الساحة السياسية الداخلية بين خط الرابع عشر من آذار وخط الثامن من آذار. وقد نجح ميقاتي في بناء حيثية معينة بين المعسكرين من دون ان يصل الامر الى حد بناء تيار عريض تنضوي تحته مفاتيح بارزة في الحياة السياسية اللبنانية، وذلك لوجود الكثير من المساحات الرمادية التي تظلل تموضعه، وهي تحتاج الى تعيين اكثر وضوحا. ومع ذلك فإن ميقاتي الذي يعمل – بجد لبناء قوة في الساحة الطرابلسية يبقى عنصرا سياسيا لافتا تنبغي مراقبة ادائه في الاشهر المقبلة.
واذا كان ميقاتي السني الطرابلسي "وسطيا" يطمح الى ترؤس كلتة نيابية في الشمال، وتحسين وضعيته في نادي رؤساء الحكومات، فإن "الوسطية المسيحية" هي التي تثير الحيز الأكبر من المناقشات والسجال، وتبدو مادة دسمة لمعارك سياسية انتخابية مقبلة. وفي مقابل الحساسية الشديدة التي يبديها مسيحيو الثامن من آذار، في ما يبدو المنضوون في قوى 14 آذار اكثر تقبلا لفكرة الوسطية، ويذهب بعضهم الى ابداء حماسة لافتة لها. والأمر مستغرب الى حد بعيد وخصوصاً ان الكتلة الوسطية المسيحية التي يفترض انها ستكون في خط الرئيس ميشال سليمان لن تكون حكما بجانب قوى 14 آذار. بل يمكن ان تكون في مواجهتها في الكثير من الخيارات السياسية. والأكثر غرابة ان تصدر علامات التحمس لـ"الوسطية" عن اوساط نيابية وسياسية من صلب قوى 14 آذار، في حين يفترض في هذه الاوساط ان تكون اكثر صرامة في حشد القواعد الشعبية لانتخاب مرشحيها اولاً قبل إبداء التاييد للوسطيين. فثمة بون شاسع بين تقبل فكرة نشوء كتلة رئاسية وسطية، وضعضعة القواعد الشعبية بتظهير ضعف غير مقبول في "العصب" الاستقلالي.
نعم ان قوى 14 آذار، باعتبارها قوى ديموقراطية متنوعة، منفتحة، تتعامل بهدوء وانفتاح مع الكتلة الوسطية، ويمكن في كثير من الحالات ان تتعاون معها. ولكن حذار ان تصدر عن قيادات 14 آذار إشارات ملتبسة شطر الناخب الاستقلالي تساوي أمامه بين المرشح الاستقلالي والمرشح الوسطي، وذلك أيا تكن درجة التقارب بين الخط الاستقلالي الصافي، والخط الوسطي الذي لم تختبره في العمق حتى اليوم. فالهدف الاسمى ان يفوز التيار الاستقلالي بالغالبية في مجلس النواب المقبل