#adsense

فخامة الرئيس

حجم الخط

فخامة الرئيس

هكذا إذن يا أخوان، إمّا أن يكون رئيس الجمهورية كما تريده الشقيقة، وأن يمشي على هواها، ووفق إرادتها وحسب سياستها وتوجيهاتها، وأن ينسى دوره الراعي الأوّل والأكبر لشؤون أهل بلده وبيته وأمانته، وموضع قَسَمِهِ ومحطّ أنظاره، أو أنه محطّ هجمات خسيسة وكلام كبير يطير من فوق السطوح، من قِبَل سليمان فرنجية شمالاً، إلى جنرال الردح في الرابية، وصولاً إلى بعض الأبواق النافخة بصوت التعليمات الآتية من خارج الحدود جنوباً وجبلاً وبقاعاً.

إمّا أن يكون مثل سلفه المأمور من أصغر عريف في مخابرات الشقيقة، أو أنه "متآمر" وصاحب دور "ملتبس" على ما حَكَم أحدهم الناطق باسم أولياء أمره خارج الحدود.

ما هذه الجرأة يا أخوان؟ وما هذا الاستسهال غير المألوف في إطلاق مواقف على الهواء مباشرة، يفترض أن يخجل صاحبها بها، حتى وإن طُرحت داخل جدران أربعة؟.

مواطنون لبنانيّون، يأخذون تعليماتهم من خارج بلدهم للتطاول على رئيس جمهوريّتهم، لأنه "أجرم" عندما قال انّه رئيس لهذه الجمهورية وشعبها، وليس موظفاً عند الآخرين ومصالحهم، ولأنه تجرّأ على القول بما يمليه عليه منصبه وهامته وشرفه ومصلحة وطنه اليوم وغداً وإلى الأبد.. هو لم يطلق بياناً معادياً للآخرين، ولم يدخل في سياق تآمري ضدّهم، ولم يتحدّث بلغة تهزّ الإحساس المرهف لممانعتهم العظيمة، ولم يأخذ جانباً ضدّ آخر، إنّما أراد ويريد فقط أن يكون ما هو عليه، حَكَمٌ فوق الخلافات وليس نافخاً فيها ومُسعِّراً لها، رئيس جامعٌ لا مُقسِّم، مُوحِّد لا مُفرِّق، صادق وليس دجّالاً بائعاً لشعارات مريضة، قاضياً سياسياً يحمل ميزان الوسطية في يد والكتاب ـ الدستور في اليد الأخرى، وليس مفترياً كيديّاً شرشح الدستور والبلاد والعباد.

ما هذه الارتكابات الفظيعة يا صاحب الفخامة؟ وكيف تجرؤ على المسّ بثوابت سياسة الممانعين وأوليائهم لحساب وطنك وأرضك وبلدك وشعبك المنكوب والمفلوج منذ 30 عاماً وأكثر؟ وكيف تجرؤ على الانحياز نحو الحق وأهله، والعدالة وأصحابها؟ وكيف تجرؤ وتعطي الانطباع بأنّك حارس للجمهورية ولست واشياً بأبنائها ووطنييها بتهمة أنّهم وطنيّون؟. كيف تفعل ذلك، وتترك كل تراث سلفك وذخيرته من الكلام والشعارات والتآمرات والارتكابات باسم المقاومة تارة وخط الممانعة تارة أخرى؟. كيف تتجرّأ على إعادة وضع لبنان على خارطة العالم من دون إذنهم، و"ترتكب" كل تلك المواقف المنطلقة من "رضى الشعب اللبناني" ومؤسّساته الدستورية والشرعيّة قبل رضى الآخرين، قريبين وبعيدين..؟ كيف تتجرّأ وتقول إنّ وطني هو الحق والمقياس والأوّل والأساس، وانّ للآخرين أن يحترموه كما يحترمهم، ويقدّروه كما يقدّرهم، ويعاملوه كما هو كيان ناضج لا يحتاج إلى مَنْ يدّعي الوصاية عليه بعد اليوم؟ كيف تتجرّأ يا سيدي الرئيس أن تبتعد ببلدك عن ما يستبيحه كمنصّة للتجارة في سوق من دون أخلاق؟ كيف تتجرّأ وتنأى ببلدك وأهلك عن شرّ الانقسام والمحورية الاقليمية لصالح التضامن والإجماع؟ كيف تحمل بيدك تلك المسطرة من وسطها ولا تميل حسب التعليمة الآتية عبر الهاتف؟ كيف تدّعي يا صاحب الفخامة أنّ ما تطلبه من الآخرين، كل الآخرين، هو علاقة ندّية قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخّل في شؤون الغير؟ كيف يا سيدي الرئيس ترى أنّ دمعة طفل في وطنك هي عندك أغلى من كل مصالح الآخرين وسياساتهم؟ كيف تتجرّأ يا صاحب الفخامة على إعادة بثّ الروح في مشاعر الاعتزاز عند اللبنانيين برئيسهم، والإيمان بأنّه لا يتاجر باسمهم، ولا يتآمر عليهم، ولا يسترخص دماءهم وأرواحهم وأرزاقهم وكراماتهم؟!.

يا صاحب الفخامة، لقد ذهبت بعيداً، وأعدْتَ بلمح البصر نصب الراية بعدما أمعنوا في تمزيقها وتشليعها، وأعدت سقاية أرز لبنان الخالد بعدما حوّلوه، أو كادوا، حطباً للنيران الحارقة للأرض والعِرْض والناموس والوجدان.. لقد ذهبت بعيداً.. إلى آخر حدود الدنيا، ملخّصاً إياها كلها بمصلحة الوطن والأهل والربع، ولم تفعل العكس.
يا سيدي الرئيس: شكراً على كل "إرتكاباتك"، واسلم إلى الأبد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل