الحوار على إيقاع الكتلة الوسطية!
لا يُخفي اللبنانيون ارتياحهم الكبير لجولات طاولة الحوار برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، رغم إدراكهم أن الظروف المحلية، والتطورات الإقليمية حولنا، لا تساعد المتحاورين على الوصول إلى صيغة توافقية للاستراتيجية الدفاعية، والمرشحة للتأجيل إلى ما بعد الانتخابات النيابية·
ولكن أجواء الارتياح التي تهيمن على الوضع اللبناني عشية كل موعد لجلسة الحوار، تعود بشكل أساسي إلى تعلّق اللبنانيين بالحوار أسلوباً أساسياً لمعالجة الخلافات، وإيجاد الحلول للأزمات، تحت سقف النظام الديمقراطي، بدل النزول إلى الشارع، وما أدراك ماذا يعني النزول إلى الشارع من إيقاظ للفتن النائمة، وتعطيل للحياة العامة على نحو ما حصل في السنتين الماضيتين·
واللبنانيون مع استمرار الحوار حول الطاولة الرئاسية، أو حتى على مستوى اللجان الفنية، إلى جانب اللقاءات الثنائية بين الأطراف المتخاصمين، وإن كانت مناخات الانتخابات المقبلة المحمومة بدأت تنتشر في طول البلاد وعرضها، وتحول دون حسم الملفات الخلافية، بانتظار التكوين المنتظر للسلطة على ضوء النتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع·
فهل ستجري الانتخابات في موعدها الدستوري؟ ولماذا كل هذا السجال الانفعالي حول الكتلة الوسطية؟·
* * *
كل المؤشرات تؤكد، حتى الآن على الأقل، أن الانتخابات ستجري في موعدها، وأن ليس ثمة ما يمنع حصول هذا الاستحقاق المفصلي في الحياة السياسية اللبنانية، خاصة وأن تجربة التعايش الحالية بين الأكثرية والأقلية في إطار <حكومة التناحر الوطني> تفرض سرعة الخروج من الواقع الراهن وما يعانيه من شلل وعجز في إدارة الدولة، إلى موقع أكثر حسماً تستطيع من خلاله الأكثرية المقبلة، أياً كانت من 14 أو 8 آذار، أن تتحمل مسؤولية الحكم وحدها وفق أصول النظام الديمقراطي، على أن تتولى الأقلية بالمقابل مهمات المساءلة والمحاسبة من موقع المعارضة، كما يجري في البلاد الديمقراطية الأخرى·
ويبدو أن كل القيادات اللبنانية، قد أيقنت أن الاستحقاق الانتخابي حاصل في موعده، فبدأت تشمّر عن سواعدها، وتستنفر ماكيناتها الانتخابية، وتُطلق المواقف النارية استعداداً للجولة الانتخابية التي ستكون حاسمة على أكثر من صعيد، خاصة بالنسبة لتحديد الخيارات الاستراتيجية في المرحلة المقبلة·
* * *
أما هذا السجال الانفعالي حول <الكتلة الوسطية> فيعكس حالة الإرباك والقلق التي يعيشها التيار الوطني الحر، مع تنامي حركة الاعتراض المسيحية على نهجه السياسي وما يرافقه من توجهات جديدة متناقضة مع الخط السياسي الذي بنى عليه العماد ميشال عون رصيده السياسي في الأوساط المسيحية·
وأدت الحملات العونية المستمرة على رئيس الجمهورية، وما يتخللها من محاولات إضعاف الرئاسة الأولى، والنيل من هيبتها، على نحو ما حصل في تظاهرة عوكر، وما سبقها وما تبعها من غمز عوني وانتقادات مستمرة لأداء رئيس البلاد، أدى كل ذلك إلى اتساع حركة الاعتراض المسيحية بسرعة وفي العديد من المناطق، التي يشارك أهلها بكركي في اعتبارها رئاسة الجمهورية خطاً أحمر لا يجوز التعرّض له، حتى عندما كان الرئيس الممددة ولايته في بعبدا محاصراً بغضب <ثورة الأرز> التي لم تستطع الإطاحة به، بسبب موقف سيد بكركي النيل من المركز الماروني الأول في الدولة·
* * *
وبالمقابل، فإن أداء الرئيس ميشال سليمان الوطني والهادئ، يحظى بتأييد متزايد في أوساط المسيحيين، كما في أوساط اللبنانيين الذين يرون في مواقف رئيس الجمهورية المدروسة والمتوازنة حرصاً على تصليب الجبهة الداخلية والحؤول دون تصدّعها من جديد، وترفعاً عن الخوض في الزواريب المحلية الضيقة، وسعياً دؤوباً لإعادة لبنان إلى الخريطة العربية والدولية بعيداً عن سياسة المحاور والتورّط في خلافات البيت العربي، فضلاً عن تعزيزه الواضح لمكانة رئاسة الجمهورية التي غاب دورها طوال سنوات التمديد للرئيس السابق، وما أعقبها من فراغ رئاسي متعمّد·
ولعل هذه المفارقة بين اتساع حركة الاعتراض على سياسة التيار العوني، وتزايد التأييد لأداء رئيس الجمهورية، هي بيت القصيد في الحملة الشعواء التي يشنّها العماد عون، بمساعدة نواب كتلته ووزرائه، صباح مساء على الكتلة الوسطية، وعلى نواب الوسط المنتمين إلى نهج الرئيس سليمان، انطلاقاً من الاستشعار بمخاطر الانحسار الشعبي عن التيار العوني، وانعكاساته السلبية المتوقعة في الانتخابات المقبلة، وذلك وفق الإحصاءات الدورية التي يطّلع عليها العماد عون بين الفينة والأخرى، والتي تُشعل أرقامها غضبه على <نواب الوسط> الذين وصفهم على طريقته بأنهم بلا طعم ولا لون ولا رائحة!!·
* * *
الواقع أن وجود كتلة نيابية على تعاون مع رئيس الجمهورية، وهي محسوبة سياسياً عليه، ليس بدعة في الحياة السياسية اللبنانية، التي عرفت هذه التجربة منذ أيام الرئيس الأول لدولة الاستقلال بشارة الخوري حتى عهد الرئيس سليمان فرنجية، ثم استمرت إبان الحرب في السبعينات مع الرئيس إلياس سركيس عبر كتلة مسيحية جمعت معظم النواب الموارنة تحت راية <تجمع النواب الموارنة>، رغم أن هؤلاء النواب كانوا قد انتخبوا عام 1972، أي قبل بدء ولاية الرئيس سركيس بأربع سنوات!·
ويعتبر العالمون ببواطن الأمور أن الناخبين المسيحيين المتراجعين عن تأييد عون لن يعودوا جميعاً إلى حزبي الكتائب والقوات، بل سيجدوا ضالتهم، مع غيرهم من المستقلين والمترددين الذين يشكلون <الأكثرية الصامتة> في المرشحين المستقلين الذين يجسّدون سياسة الاعتدال والانفتاح والوفاق مع كل اللبنانيين، بعيداً عن حالة الانقسام الراهنة التي دفعت البلاد والعباد أثمانها الباهظة·
* * *
وأخيراً···
يعرف العماد ميشال عون، أكثر من غيره، أنه لو أتيح له الوصول إلى قصر بعبدا لكانت أولى خطواته تعزيز وتوسيع كتلته النيابية الحالية، فلماذا ينكر عون على غيره ما كان هو شخصياً سيفعله؟!·