#adsense

لا بد من الاعتراف: نعم أخطأت حماس

حجم الخط

لا بد من الاعتراف: نعم أخطأت "حماس"..

ينبغي القول بصراحة وبوضوح كاملين، أن ما مات عمليا، بعد العدوان الاسرائيلي على لبنان العام 2006 والعدوان الاسرائيلي الأخير على غزة، ليس "مبادرة السلام العربية" كما حاولت أن تقول قمة الدوحة التشاورية وانما أولا وقبل ذلك ما وصف على امتداد الأعوام الماضية بسياسة "الممانعة".
ذلك أن "الممانعة" لم تحل دون حدوث العدوان في الحالتين، تماما كما أنها لم تمد يد العون للمعتدى عليه في محاولته صد العدو ولا حتى لمساعدة ضحاياه من الأطفال والنساء والشيوخ انسانيا. حتى اذا حل موعد البحث في وقف اطلاق النار، كان على المدانين بسياسة "الاعتدال" (بعد أن بات الاعتدال تهمة) والمتهمين بالخيانة تارة والتواطؤ مع العدو تارة أخرى، أن يعملوا هم لازالة آثار العدوان الجديد، بما في ذلك الانسحاب من الأرض التي أعيد احتلالها بعد أن تحررت ومحاولة ايجاد الأرضية الصالحة التي تمنع تكرار العدوان.

أما زميلتها "المقاومة"، ومن دون الدخول في السجال العقيم حول النصر والهزيمة أو حول المسبب والذريعة، فلم تشكل لا في لبنان ولا في غزة رادعا للعدو يحول دون تكراره جريمته ولا حتى دون رفع وتيرتها بحيث تحولت في غزة الى جريمة حرب موصوفة بحسب العديد من المنظمات الدولية. ومرة أخرى، فبالسياسة وحدها ـ الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ـ سيكون ممكنا العمل على بلسمة جراح الفلسطينيين وتحقيق "نصر" ما على آلة العدو العسكرية وجريمته ضد الانسانية.

لماذا هذا الكلام؟!، للاعتراف بواقعين عربيين في وقت واحد. أولهما ثنائي، أي ذو وجهين، بالرغم من أن البعض يتنكر له بهدف المزايدة أكثر من أي شيء آخر. هذا الواقع هو:

ـ صحيح ان "مبادرة السلام العربية" لم تحقق شيئا مما كانت ترمي اليه، ان على صعيد تحرير الأرض المحتلة أو على صعيد اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وحل مشكلة الحرب والسلام في المنطقة، وما تزال هذه المبادرة بالرغم من مرور سبعة أعوام على تبنها تدور في حلقة مفرغة من دون أن يعيرها الطرف الآخر، وحتى المجتمع الدولي، أي اهتمام.

ـ الا أنه صحيح أيضا بالقدر ذاته، ان لم يكن أكثر، أن سياسة "الممانعة والمقاومة" لم تحقق بدورها شيئا كذلك… لا على مستوى ردع العدو انطلاقا من نظرية أنها تنزل المزيد من الخسائر في صفوفه، ولا على مستوى استعادة حق من الحقوق المغتصبة، ولا طبعا اذا كان لمقولة ازالة اسرائيل من الوجود أي صدقية على الأرض ـ على مستوى تحرير شبر واحد من الأرض الفلسطينية المحتلة.

عفوا، فقط عشرات آلاف الضحايا، قتلى وجرحى ومعوقين، في لبنان وغزة في خلال أقل من ثلاثة أعوام، وخسائر بمليارات الدولارات في البنية التحتية لبلدين منكوبين فعلا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي تحديدا.. يكفي، لمعرفة خطورة المفارقة في هذا المجال، أن نصف عدد سكان قطاع غزة، ثمانمئة ألف نسمة من أصل مليون ونصف مليون، ما زالوا يعيشون منذ العام 1948 على تقديمات وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا).

أما الواقع العربي الثاني، فهو أن قوى "الممانعة والمقاومة" لا تفعل في الواقع سوى أنها تحاول أن تعود بالمنطقة وشعوبها الى السياسات التجريبية التي سبق اكتشاف خطئها، واحدة بعد الأخرى، على مدى أكثر من ستة عقود من الزمن حتى الآن.
كانت هناك أولا سياسة "الممانعة" (مع أن التعبير لم يستخدم يومها) التي طبعت أنظمة الأمة وشعوبها منذ النكبة في العام 1948 وحتى انطلاق أول رصاصة من قبل المقاومة الفلسطينية باتجاه العدو في العام 1965: عدم الاعتراف بمجرد وجود هذا العدو، عدم التعاطي حتى مع الفلسطينيين الذين بقوا تحت الاحتلال لدرجة أن البعض كان يعتبرهم "خونة" لمجرد بقائهم في أرضهم، وعدم التعاطي حتى مع دول العالم التي تساند هذا العدو… ومحصلة تلك السياسة باتت معروفة الآن للجميع.

ثم كانت المرحلة الثانية، مرحلة المقاومة المسلحة، التي استمرت نحو أربعة عقود واتسعت نوعيا وجغرافيا لتشمل ليس الأرض الفلسطينية المحتلة فقط بل مصر وسوريا، في الفترة الأولى، والاردن ولبنان ومناطق كثيرة من العالم، في الفترة الثانية… ومحصلتها بدورها باتت معروفة للجميع، خصوصا بعد الخروج الفلسطيني الأول من الأردن في العام 1970 والخروج الثاني من لبنان في العام 1982.
أليس ما يحدث الآن تحت شعار "الممانعة والمقاومة"، ولكن هذه المرة معا وفي وقت واحد، هو محاولة اعادة المنطقة، والأمة وشعوبها كلها، الى السياسة التجريبية اياها على امتداد أكثر من نصف قرن؟!.

سيقال إن في ما سبق دعوة للاستسلام، فضلا طبعا عما بدأت تتردد أصداؤه على ألسنة قادة الأنظمة "الممانعة" والتنظيمات "المقاومة"، وفي أجهزة اعلامها، حول "الخيانة" المبيتة لقضية العرب الأولى وقضية الشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للمساومة.

وليس هذا هو الواقع حتما. الواقع أن ما تقوله هذه السطور، كان وما يزال وسيبقى دوما، الدعوة الى درس التجارب السابقة بعمق ومحاولة الاستفادة منها في المستقبل، وليس العودة الى السياسة التجريبية نفسها حتى من دون اجراء أي تعديل في تفصيلاتها كما هو واضح الآن.
ذلك أن من حق المواطن العربي، فضلا عن ابن غزة تحديدا وفلسطين كلها من بعد، أن يطرح على نفسه كما على تنظيماته وأنظمة وشعوب العالم العربي الأسئلة التي يطرحها كل مصاب في دماء أهله وفي ممتلكاته وقوت يومه ومستقبل أولاده:
ـ ماذا جنت غزة من حرب الأيام الثلاثة والعشرين، المحرقة الفلسطينية بكل ما في الكلمة من معنى، لتعود الأمور (التهدئة وفتح المعابر وفك الحصار الخ…) الى ما كانت قبل ذلك، حتى مع افتراض اجراء بعض التعديلات الطفيفة؟!.

واستطرادا، أي نصر هو هذا "النصر" اذا، وهل يمكن تاليا أن تضيع عملية اعادة الاعمار التي سارعت دول عربية، في مقدمها السعودية التي تبرعت بأكثر من نصف تكاليفها، في مستنتقع الخلاف بين السلطة وحركة "حماس" حول من يتولى التصرف بالأموال والاشراف على إعادة الإعمار؟!.
ـ هل يمكن للصواريخ، بغض النظرعن فعاليتها ومداها والخسائر التي تلحقها بالعدو، أن يعتمد أسلوبا وحيدا لتحريرالأرض… وفي وجه آلة عسكرية هي رابعة قوة في العالم، وبين أيدى مجموعة من الساسة والضباط هم الأكثر همجية ودموية في تاريخ البشرية؟!.

ـ وبعد ذلك كله، الى أين من هنا؟!.
واقع الحال أن المنطقة، والأمة وشعوبها جمعاء، في مأزِق. لكن المفارقة، هي أن بعضها يسعى جاهدا وبصمت يحسد عليه للخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، فيما لا يفعل البعض الآخر الا أنه يصم الآذان في الدعوة الى جرها مجددا الى تجارب سبق اعتمادها… "ممانعة" في مرحلة أولى، وثبت فشلها بالمطلق، و"مقاومة" في مرحلة ثانية، ولم تكن نتيجتها مختلفة.
وهذا ما ينبغي أن يقال بصراحة وبوضوح كاملين.. أقله وفاء للايمان بالقضية الفلسطينية، وبقدسية النضال من أجلها، ان لم يكن لشيء آخر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل