الانتصار المشؤوم
بعد إنهاء العدوان الصهيوني الجائر أسبوعه الثالث على قطاع غزة، أعلن الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي وقف إطلاق النار، بعد موافقتهما على ما جاء في المبادرة المصرية التي تتوّجت بعقد قمة عربية ودولية في شرم الشيخ، لإنهاء الحرب والصراع اللذين تسببا بخسائر بشرية ومادية طائلة في الجانب الفلسطيني، لتبدأ مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد الحرب، تتخذ صفة المحاسبة وقذف المسؤولية في مرمى أصحاب قرار الحرب والسلم، كما سبق وحصل على الساحة اللبنانية عقب إنهاء حرب تموز المشؤومة، حيث احتلت التهم والخيانة حيزاً واسعاً على الساحة السياسية اللبنانية كخطوة استباقية من قِبَل الطرف الذي اتخذ قرار الحرب، من دون الرجوع إلى السلطة لقطع الطريق عليها في مسألة المحاسبة والعقاب. فهذه الحرب التي دامت قرابة الشهر كان الشعب الفلسطيني بغنى عنها، ولكن التسرّع باتخاذ قرار هذه الحرب في الوقت الذي تشهد فيه الساحة الفلسطينية نزاعاً وخلافاً بين جناحيها، سببه سوء تقدير حجم القوة العسكرية لدى العدو الصهيوني من جهة، وكذلك ردّة فعله القاسية التي بتنا نعرفها جميعاً من جهة أخرى، إلى جانب الإصغاء إلى جهات دولية تهدف إلى زجّ الفلسطينيين في متاهات الحرب التي لا طائل لهم منها، وبالتالي إغراقهم في وحول حرب كان أول مَنْ أطلق شرارتها مقاومو حركة "حماس"، وترك الأيدي الخارجية تعبث بمصير شعب هو في الأصل يعاني من العدوان الجائر، الذي نغّص حياته وأمنه بعد أن اغتصب أرضه وحرّيته وكرامته.
ففي قراءة سريعة لأحداث غزة استوقفتنا جملة من المتغيرات، أظهرت عمق وسطحية التعاطي الدولي والعربي مع هذه الحرب التي ذهب ضحيتها ما يفوق الألف وثلاثمئة شهيد وما يقارب الستة آلاف جريح.
أولاً: مجلس الأمن الدولي والقرار 1860
إن إسرائيل لا تقيم وزناً أو شأناً لأي قرار دولي، وخصوصاً إذا كان هذا القرار يتعلق بالشأن الفلسطيني – الإسرائيلي أو اللبناني – الإسرائيلي، كما عوّدتنا، فهي تعتبر نفسها غير ملزمة بتطبيق أي قرار، طالما لا يخدم الكيان الصهيوني، متذرعة بأنها دولة موجودة في محيط عربي معادٍ لها، وبالتالي فهي بحاجة دائماً للدفاع عن حدودها وأمن مواطنيها، لذلك فإن القرار رقم 1860 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي، والذي يدعو إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار، يحظى بالاحترام الكامل، ويفضي إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من غزة، ويشدد على الحاجة الملحة لهذا الوقف لإطلاق النار على الرغم من أن هذا القرار صدر بعد مرور ثمانية أيام على بدء الحرب، وبعدما وصل عدد شهداء غزة الى سبعمئة وخمسين شهيداً.
ما كان لهذا القرار أن يبصر النور لولا تمسك الدول الخمس الدائمة العضوية، إلا أنه لا يخلو من بعض الثغرات، كونه لم يتضمن إجراءات وعقوبات بحق إسرائيل، بل كان مجرد دعوة لوقف العدوان، ومع هذا كله لم يرضِ إسرائيل، بل طلبت من المجتمع الدولي ومجلس الأمن اعتبار صواريخ "حماس" المتواضعة أمام أسطولها الحربي الحديث جداً، السبب الرئيسي لهذا العدوان، وتبرئة إسرائيل من كل جرائمها، وطالبت كذلك بالاعتراف الدولي بشرعية ضرباتها الإجرامية والإرهابية على الشعب الفلسطيني، مبررة ضرباتها بأنها درس لحركة "حماس" الجهادية.
ثانياً: مجلس الأمن وخاطر إسرائيل
لقد اتهمت جهات عربية أن مجلس الأمن متعاطف مع العدو الصهيوني المحتل الذي قتل ودمّر وشرّد الآلاف، ولم يراعِ مشاعر أطفال ونساء وشيوخ غزة، فهذا الاصطفاف الأميركي إلى جانب إسرائيل، جعل مجلس الأمن وكأنه مسيّس، وإلا لماذا امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت، علماً أنها تملك حق الفيتو، وقد ظهر هذا التعاطف على لسان وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، حين قالت إنه من الصعب على إسرائيل حماية المدنيين في غزة، وكررت توجيه اللوم إلى "حماس" بدعوى أنها تتخذ السكان دروعاً بشرية، لقد أخفق قرار مجلس الأمن 1860 الذي دعا إلى وقف إطلاق النار فوراً على غزة، في لجم الحرب الإسرائيلية على القطاع، وبهذا الإجراء أثارت الحكومة الإسرائيلية امتعاضاً دولياً ضدّها، عبر ضربها عرض الحائط دعوة مجلس الأمن الدولي إلى وقف إطلاق نار فوري في غزة، متذرعة أن القرار لا يضمن وقف إطلاق صواريخ حركة "حماس" على أراضيها. وفي قراءة تحليلية للقرار 1860 وفي ما يتعلق بنص القرار الذي يتناول العمليات العسكرية، لقد جاء خالياً من أي إدانة للعدوان الصهيوني، إلا أنه في الشق السياسي نجد أن نص القرار وروحيته تفتح آفاقاً ديبلوماسية عدة، تساهم في بلورة وقف النار، ويشير إلى اعتراف مباشر بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، خالية من أي قيود، كما أشار القرار الى أهمية المبادرات العربية التي ترتكز على رؤية عربية موحّدة حول القضية الفلسطينية. وبغض النظر عن إيجابيات وسلبيات هذا القرار، إلا أننا نستطيع القول إنه شكل المدخل السليم لإنهاء الحرب في غزة، وأوقف المجزرة الرهيبة التي ترتكبها آلة القتل الصهيونية بحق المواطنين الفلسطينيين، لذلك فإن إجماع أعضاء مجلس الأمن الدولي، أكد على التزام المجتمع الدولي بمبادرة السلام العربية، بحيث تحقق هذا الإنجاز بفضل تضافر الجهود العربية لا سيما مصر والسعودية والسلطة الفلسطينية والكويت، وقد جاء كدليل على تصميم النظام الاقليمي العربي على استعادة المبادرة في مواجهة إسرائيل من جهة، والأطراف العربية وغير العربية التي تحاول تفكيك العالم العربي من جهة أخرى.
ثالثاً: تجاهل القرار من قِبَل "حماس" وإسرائيل
بعد صدور القرار 1860 برزت اعتراضات أساسية عليه من قِبَل الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي، حيث بدا أن كلا الطرفين يصرّ على مهاجمته أو تجاهله في الحد الأدنى، لأنه لم يستند إلى تشاور مع إسرائيل ومع "حماس"، وفي الوقت عينه نجد أن الطرفين يتعاملان مع المبادرة المصرية بإيجابية، والسبب أن الجانب الإسرائيلي يريد ضمانات، ربما على غرار القرار 1701 الذي تضمن ضمانات عدة، وهذا ما لا ترغب به حركة "حماس" لأنه سيفضي بالطبع إلى جلب مراقبين دوليين، بل تريده "حماس" تفاهماً كذاك الذي حصل في لبنان عام 1996 وهو ما يُعرف بـ"تفاهم نيسان"، وقد أعربت "حماس" غداة صدور القرار أنها غير مُلزمة أو معنية به، لأنه لا يأخذ في الاعتبار أهداف ومصالح وتطلعات الشعب الفلسطيني.
لذلك نجد الآراء متعددة بهذا الخصوص، لا سيما من جهات عربية وفلسطينية، حيث تباينت وجهات النظر حول نص القرار وروحه، فنجد أن الجانب الفلسطيني وعلى لسان الرئيس الفلسطيني محمود عباس اعتبر أن قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار خطوة هامة، فيما حركة "حماس" ترى أن هذا القرار يخدم الجانب الإسرائيلي، ونجد أن رئيس لجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني السفير خليل مكاوي نفى أن يكون القرار أرسى توازناً بين فريقي الصراع، فيما أطراف لبنانية معارضة وصفت القرار بأنه قرار رفع عتب وتهرّب من المسؤولية، وإعطاء الفرصة لإسرائيل لمزيد من الاعتداءات على فلسطين.
رابعاً: المواقف العربية وزحمة المبادرات
برزت خلال هذه المعركة جملة من الآراء والتباينات في الموقف العربي، وانقسمت الساحة العربية إلى محورين، محور الممانعة، ومحور الاعتدال، وعلت الأصوات المندّدة حيث اكتفى محور الممانعة بالمناظرات غير المجدية، من دون القيام بأي مبادرة أو خطوة لوقف حمام الدم في غزة، وقد انتقد الرئيس المصري أولئك الذين يتزعمون محور الممانعة بأنهم يسعون إلى تقسيم الصف العربي بين دول الاعتدال ودول الممانعة، متسائلاً ماذا فعل الممانعون لشعب فلسطين وقضيته، وماذا فعلوا لتحرير الأراضي العربية الرازحة تحت الاحتلال، وقد أشار الرئيس مبارك بطريقة غير مباشرة إلى دولة قطر، والقمة التي استضافتها قائلاً "إن التحرك العملي الذي قامت به مصر بإطلاقها مبادرتها هو الأكثر جدوى لوقف العدوان الصهيوني"، واعتبره تحرك يحتوي تداعيات هذا العدوان على أهل غزة، بعيداً عن الخطب الرنانة والشعارات الفارغة، وبعيداً عن اجتماعات تكتفي ببيانات الإدانة والمزايدة وتبادل الاتهامات، تدفعها محاولات للعب الأدوار وبسط النفوذ، وتؤدي إلى تعميق الخلافات العربية، وتمعن في شق الصف العربي. وأشار مبارك إلى أن مصر طرحت مبادرتها في غياب أي مبادرات أخرى لوقف نزيف الدماء، وفي مواجهة مماطلة مجلس الأمن الدولي، في النهوض بمسؤوليته. وكان لافتاً أيضاً اتهام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان دول أوروبا الغربية بأنها تكيل بمكيالين، لأنها لم تقم بأي تحرك عند شنّ إسرائيل هجومها على قطاع غزة بالسرعة عينها، لدى نشوب النزاع في جورجيا، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية لم تبد هذا الاهتمام.
لقد اختتمت أحداث غزة بتتويج قمة اقتصادية عربية في الكويت جمعت الفرقاء العرب حول طاولة واحدة، ولعل من إيجابيات هذه الحرب جمع القادة العرب وتوحّد موقفهم لأول مرة، لمعالجة القضية الفلسطينية التي كادت أن تسلب على مرأى من أنظارهم، من دون اتخاذ موقف مشرف أو خطوة للجم العدوان الجائر على اخواننا في فلسطين، ولولا مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لما كانت البلدان العربية استعادت جزءاً كبيراً من دورها، وحافظت على ماء وجهها أمام الراي العام.
وفي مطلق الأحوال، ما يهمّنا هو وقف إطلاق النار وتطبيق القرار 1860 حينئذٍ سنرى بالونات الانتصار تطلق، وأي انتصار هذا الذي يودي بحياة آلاف الأبرياء، ولكن لقد بات من المؤكد أن المشهد الدموي سوف يؤدي إلى مزيد من الانقسامات داخل صفوف الفلسطينيين، على كافة الصعد والمستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسيكون هناك فعلاً خارطة طريق جديدة تتحكم فيها الجغرافيا، وخصوصاً ما بين شقي الأراضي الفلسطينية الضفة والقطاع، مما يحول دون قيام دولة فلسطين التي ينتظرون بفارغ الصبر قيامها، فالمأساة لم تنته بعد، وسيكتشف الفلسطينيون أنهم قدّموا للعدو الإسرائيلي مادة دسمة، تزيد من انقسامهم وتشرذمهم بفضل تباعدهم وتفرقهم، وإذا كانت سوريا وإيران تبنتا انتصار المقاومة على العدو الصهيوني في تموز 2006 فمَن الذي يتبنّى هزيمة "حماس"، إن شرّ البلية ما يضحك، لقد تبنّى نائب الرئيس الإيراني النصر الذي حققته حركة "حماس" على العدو الصهيوني، وأي انتصار هذا الذي تحقق على أشلاء الفلسطينيين وتدمير قطاع غزة على رؤوس سكانها؟، لقد أصبح من الواضح أن إيران تتاجر بدماء الفلسطينيين وتحاول أن تبني مجداً وانتصاراً وهمياً ومزيفاً على حساب العرب، الذين يجارونها في قراراتها التي ترمي إلى أهداف مبيتة.