#adsense

حماس و«حطب» الانتصار

حجم الخط

«حماس» و«حطب» الانتصار!

من حقنا أن نكتب بمرارة بعد انتهاء العدوان من واقع ما شاهدناه وما سمعناه عن مآسي الحرب الإسرائيلية «البشعة» على أهل غزة، خصوصاً أن المعركة الكلامية بين الفلسطينيين انفلتت من رباطها، وعادت إلى الشاشة والصحيفة قبل أن تضع الحرب أوزارَها.
كان علينا ألاّ ننبس ببنتِ شفة، حتى لا نُضعِف المعنويات ونُحبِط المقاومة، ونشق الصف، ونفرّق الأمة. «حماس» ترفع شعار الانتصار على «وهم» بعض العرب، وتعلن انتصاراً على إسرائيل، كما يزعم خالد مشعل وقبله إسماعيل هنية.

كذبٌ لم يُقتل منا 1300 فلسطيني، جلُّهم من النساء والأطفال. افتراء لم يُجرَح ويُصب بالإعاقة أكثر من 5 آلاف فلسطيني، جلهم من النساء والأطفال! زوراً وبهتاناً مَنْ يزعم أن المستشفيات والمنازل تكتظ بالمشوهين جراء الحرب الإسرائيلية «السافرة»؟ إذاً، نحن كاذبون ورجال «حماس» صادقون!

الأموال يجب ألاّ تُمنَح للسلطة الفلسطينية «الفاسدة» كما يقول مشعل، بل يجب وضعها في يد هنية لتكون «هنية»، ويفضل تسليمها مع باقة ورد ورسالة تأييد لكل فعل ورد فعل «حمساوي».

كم كانت الأنظار «شاخصةً» بانتظار أن يبشّر خالد مشعل بأن المرحلة المقبلة ستشهد تقارباً لا تنافراً، ومصالحةً لا مساومةً بين «فتح» و «حماس»، وكل الفصائل الفلسطينية، وإنه سيقوم بدور وطني لا يفرِّق بين فلسطيني وآخر، وهو ما كان يتوجب على الرئيس عباس فعله وإعلانه على الملأ منذ البداية.

جمَع مشعل القنوات الفضائية لنقل مؤتمره الصحافي الأخير من قلب دمشق، وكم كان الأمل كبيراً بأن يسمو فوق الخلافات والصراعات، ويجنح نحو كتابة «روشتة» نصر فلسطيني حقيقي، تُبعد البغضاء بين أبناء القضية الواحدة والمصير الواحد. وكان مشعل على عكس المأمول، مضيفاً إلى الخلافات السابقة «حلقة» من الخصومات الجديدة، بعد أن تناسى المكلومين والمشرّدين من أهل غزة، وتحدث عن «نصر المقاومة»، بعد تشريد وقتل الآلاف وجرح الآلاف من أبناء غزة.

اتهامات خالد مشعل لـ «فتح» والسلطة بـ «الفساد» و «التنسيق الأمني مع إسرائيل ضد المقاومة»، تحتاج إلى سَوْق براهين وأدلة تُقدم إلى جامعة الدول العربية والدول المعنية، حتى يمكن اتهام «فتح» بالعمالة ومحاسبتها علناً. هل صفة الانتصار تكون إذا لم يُقتل من عناصر المقاومة إلا عدد قليل؟ أليس الشعب الفلسطيني كله مقاومة وهو صاحب الأرض المحتلة والشعب المنكوب؟! يصرّ مشعل على الفصل بين غزة والضفة، وكأنه يريد «تركيع» ابن جلدته قبل عدوه!

في المقابل، لم يبخل أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه، بتوزيع الاتهامات على رجال «حماس»، إذ كان «مسرِفاً» في اتهامه بتنفيذها «مشروعاً انفصالياً» في غزة، وسرقة مواد الإغاثة المقبلة للقطاع وبيعها، وهو ما يحتاج أيضاً إلى براهين واضحة.
لا شك أن الصمود انتصار، و «حماس» أعلنت الانتصار قبل انتظار معرفة نتائج المعركة وخسائرها، وربما هذا من حقها لرفع روح المقاومة وأهل غزة. لكن ليس من حق مشعل المزايدة على جراح الفلسطينيين، وهو لا يعيش بينهم ليتبين حالهم ونكبتهم. ألا يعلم أن البيوت مليئة بالجراح والصراخ وأمهات ثكالى وأرامل ومكلومين ومشردين في العراء بعد أن هُدِّمت منازلهم؟

سيقول «المخالفون» لهذا الرأي أن الشعوب المحتلة لا يمكن أن تستقل وتستعيد كرامتها المسلوبة وأرضها المحتلة إلا بالتضحيات وتقديم مزيد من الشهداء، وذلك صحيح، لكن المعارك تحتاج إلى تهيئة الظروف والاستعداد بالقوة ومعرفة نقاط ضعف العدو لا الدخول إلى معركة، والشعب منقسم والتراشق الداخلي مستمر.

نحن لم ننتصر. أعرف أن كثيرين سيصبُّون جام غضبهم، ويُزبِدون ويرعدون، لا لشيء إلا لأن الحقيقة لا تتناسب مع أهوائهم وعواطفهم وادعاءاتهم. مشكلتنا أننا شعوب عاطفية تتقاذفنا مشاعرنا وأحاسيسنا من بحر إلى بحر. نهرب من سماع الحقيقة، ونريد الرقص على ادعاءات ومزاعم لا وجود لها إلا «شعاراتياً». لماذا لا يسمو الفلسطينيون فوق الخلافات ويتنازلون عن خصوماتهم من أجل قضيتهم وشعبهم؟ ألم تلاحظوا إشعال مسألة «إعادة إعمار غزة» لخلافات جديدة بين «حماس» والسلطة الفلسطينية، في الوقت الذي يحاول العرب لملمة جراحهم وتضميد خلافاتهم والاستعداد لمرحلة جديدة في العلاقات العربية توحِّد ولا تفرِّق؟!

العرب ليسوا «فتحاويين» ولا «حمساويين»، بل يتألمون لألم الفلسطينيين وحالهم وإحباطاتهم بعد أن ابتُلوا بقيادات وزعامات فلسطينية تنظر إلى أنفسها ومكاسبها الشخصية على حساب شعب مغلوب على أمره. انتهت معركة غزة. لم تنته. طاح الحطب. لم يطح. الأكيد أن المعارك ما زالت مشتعلة بين الفلسطينيين أنفسهم اكثر مما هي بين الفلسطينيين والاسرائيليين.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل