وقاحة الحق والحق بالوقاحة
المحامي جورج ابو صعب
تطالعنا الاخبار والتقارير السياسية يوميا بانباء عن تحركات ميدانية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة زعيمها المقيم في دمشق احمد جبريل وبتصاريح لمسؤولين فلسطينيين في لبنان واخرهم اسامة حمدان وكلها تستبيح الارض اللبنانية والسيادة الوطنية والقرار الوطني اللبناني تحت شعار تحرير القدس ومقاتلة لا بل "التحام الجبهتين اللبنانية والفلسطينية " من اجل الغاء وانهاء الاحتلال الاسرائيلي.
كلام حق يراد به باطل…
فاذا كان من حق الفلسطينيين مقاومة احتلال اسرائيل لارضهم وهذا حق شرعي ومشروع لا غبار عليه ولا نقاش فيه، الا اننا نتساءل بالاستناد الى اي حق يسمح بعض المسؤولين الفلسطينيين لانفسهم بالتكلم عن لبنان واتخاذ قرارات باسم لبنان ورسم خطط باسم لبنان ومع لبنان وكأن هذا اللبنان مال وقف سائب وبلا صاحب وابناء.
صحيح ان ما حصل في غزة يثير الغضب ورغبة الانتقام ربما لدى ابناء القضية، لكن لا يجب ان يتحول هذا الحق المشروع بالغضب والانتقام من العدو المحتل الى تخطي عشوائي لمصالح دول المنطقة وشعوبها ولا سيما لبنان: فلبنان ليس فقط محكوم عليه بنظر البعض بعدم توقيع صلح مع اسرائيل ولكن ومع ذلك فهو ايضا محكوم بان يكون مكسر عصا للمنظات الفلسطينية الخارجة عن سرب الاجماع الفلسطيني، ليكون بنظر هذا البعض ارضا مستباحة وشعبا مستباحا ودولة بلا سيادة.
فالنظام السوري يفيده بان يكون لبنان هذا الممر والمقر "للمقاومين" كي لا يضطر هو الى فتح جبهاته تحت احراج الحلفاء المقاومين لبنانيين كانوا او فلسطينيين له.
وهو حتى الان نجح في الحفاظ على مستوى كبير من عدم التورط في حرب غزة واثار لدى المقاومين الحلفاء له في صالوناتهم الخاصة اكثر من سؤال وتعجب.
لذلك نحن نعلم ونتيقن خير يقين بان النظام السوري ليس هو من سيقف بوجه جبريل وحمدان ليصون سيادة لبنان واستقلال قراره وكرامة شعبه ويمنع امثالهم من العبث به واستدراجه الى حروب تدميرية مع اسرائيل لا بل هو المستفيد في مطلق الاحوال من هذه الاستباحة للبنان ارضا وسيادة ومن تحويل لبنان في كل لحظة تحت شعار التصدي والممانعة ومقاومة اسرائيل ودحر الاحتلال الى كومة من الركام والدمار.
في موقف سابق لنا حذرنا من تنامي التطرف الاسلامي ابان حرب غزة: واليوم نعيد التحذير والتأكيد عليه لان ما يحصل اليوم وما تشهده الساحة اللبنانية الممتدة من غزة الى طهران مرورا بالشام يرسم خريطة تطرف عقائدي ينطلق من الدين ومناصرة ابناء الدين الواحد للقضاء على حدود الدول المجاورة وسيادتها واستقلالها من خلال الانقضاض على اضعف هذه الدول الا وهو لبنان، حيث يسمح لنفسه الفلسطيني الممانع وحزب الله الممانع وحماس الممانعة والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الممانعة وكافة فصائل الممانعة والمواجهة (على حساب لبنان) من التكلم والتصرف واستباحة الارض والسيادة ونصب الصواريخ وعقد التحالفات من تحت الطاولة مع الممانعين اللبنانيين العقائديين. حتى اذا تجرأ احد كمثلنا اليوم في هذه المقالة برفع الصوت اعتبرنا اعداء الدين وانصار العدو وثارت علينا الاقلام والشفاه المثقلة بلعاب الخيبة وفقدان التركيز.
صحيح ان القضية الفلسطينية حق مقدس، وصحيح ان مقاتلة العدو الاسرائيلي المحتل واجب.
وصحيح ان كل الاثمان ترخص في مقابل تحرير الارض والقدس، لكن الصحيح ايضا ان لبنان ليس كل العرب، ولبنان ليس كل المسلمين، ولبنان ليس فضاء سائبا ليتكلم ويفعل به من يشاء ما يشاء.
فلبنان تركيبة سوسيولوجية ـ سياسية فريدة من طوائف وعقائد ومعتقدات وثقافات لا يمكن لثقافة ان تفرض نفسها على الاخريات في الشأن الوطني والقومي.
الم تكفي تجربة ابو عمار رحمه الله في لبنان ليدرك ابناء الممانعة ان القضية الفلسطينية لم تعرف انتكاستها الكبرى الا عندما ادار الفلسطينيون بنادقهم الى لبنان وصدور اللبنانيين في حين كان العدو في القدس مرتاحا وقضية غزة واريحا في غياهب المجهول…؟
نعم الحق وقح ووقاحة الحق اخلاق رفيعة… لكن للممانعين نقول: لا تجعلوا من وقاحة الحق الاخلاقية حقا باطلا بوقاحة غير اخلاقية وليكن معلوما لكم ان لبنان لم يعد ارضا سائبة ولا مرتعا للتفرد ولن نسمح لاي كان ان يلبس الباطل ثوب الحق وينادي بالظاهر خيرا عكس ما يضمره في القلب باطلا.