#adsense

ماذا عن التأثيرات اللبنانية السلبية على الصعيد العربي؟

حجم الخط

المعضلة مستمرّة: سلاح لا سبيل لمعالجته ولا سبيل للتغاضي عنه
ماذا عن التأثيرات اللبنانية السلبية على الصعيد العربي؟

أمرٌ مريحٌ للغاية أن تكون طاولة الحوار قد أجمعت على "تثمين المبادرة التصالحية على الصعيد العربيّ، مع التمنّي أن تنعكس ايجابيّاتها على الصعيد الداخلي".
ففي أسابيع العدوان على غزّة، كانت أطراف داخلية تستهين بفكرة التقارب بين العرب، وكانت تفاخر بفرز العرب بين أخيار يوالون نظام الملالي في ايران وبين أشرار لا تمنعهم عداوتهم لإسرائيل من إلقاء الحجّة عليها من خلال "مبادرة السلام العربية"، ولا يحول إقرارهم بتاريخية العلاقة بين ايران والعالم العربيّ من دون إنكار جملة "القضايا العالقة" مع طهران، وفي طليعتها مشكلة الهيمنة الإيرانيّة في بلدان المشرق العربيّ.

وما دام المتحاورون يتمّنون بالإجماع أن تنعكس إيجابيات المبادرة التصالحية العربية خيراً على الصعيد الداخلي، فإن التمنّي الواجب أيضاً هو أن يتوقف الواقع الداخليّ اللبناني عن إفراز أو تمرير أي سلبيات تستهدف الواقع العربيّ وسيادة ومصالح الدول العربيّة الأخرى خاصة تلك التي ليست لها أي أطماع في لبنان، والتي لا تجيّش الحملات ضدّها بدعوى أنّ لها أطماعاً في لبنان، وإنّما بدعاوى أخرى لا يمكن لأي طرف لبناني الفصل فيها بعين اليقين، وإنما من الضرورة إعتماد الرويّة والتأنّي وإنتقاء الكلمات.

ولا شك أن إعراب طاولة الحوار عن "الارتياح إلى وحدة الموقف اللبناني تجاه أحداث غزّة" يدعو هو أيضاً للإرتياح، خاصة وأنّه أشاد بـ"تلافي الإنعكاسات السلبية لهذا العدوان والخلافات الإقليمية التي رافقته على الصعيد الداخلي". لكن ليس صحيحاً أن كلّ المجتمعين على طاولة الحوار سعوا لتلافي إنعكاس هذه الخلافات الإقليميّة على الداخل. صحيح أنّه جرت محاصرة تطور أي إشكال داخليّ يتخّذ من العدوان على غزّة محوراً لإنشقاق أهليّ لبنانيّ، لكن كمّ العنف اللفظي الذي وجّه ضدّ الإعتدال العربيّ كان موجّهاً بشكل غير مباشر تارة، وبشكل مباشر للغاية تارة أخرى، ضد حركة الإستقلال الثاني اللبنانية التي هي من صلب الإعتدال العربيّ.

وما بين خط الممانعة وخط الإعتدال، وجد في لبنان رئيس للدولة يقول بخط التضامن والتلاقي والقواسم المشتركة، فكانت النتيجة أنّه سمعنا هتافات "العسس المعادين للإمبريالية" ضدّه في عوكر، أو في إحدى المطبوعات العكرة. بالتالي لا يمكن قراءة ارتياح طاولة الحوار إلى "وحدة الموقف اللبناني" إلا على سبيل الإعتذار الجماعيّ من رئيس الجمهوريّة عمّا بدر من بعض السفهاء من القوم، تماماً مثلما لا يمكن فهم رفض المتحاورين للخلافات العربية العربية إلا كمراجعة ذاتية لما بدر من بعض الأطراف الداخلية لجهة الإمعان في تأجيج هذه الخلافات.. بل والدعوة إلى أن تتحوّل إلى إنقلابات عسكرية.

بيد أن ما أتفق عليه المتحاورون حول "متابعة العمل على تنفيذ مقرّرات مؤتمر الحوار الوطني ولا سيما معالجة موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وتوفير الظروف المناسبة لذلك" كان يستدعي مزيداً من الإيضاح، إذ ليس المطلوب فعلاً "توفير الآلية" وليس "توفير الظروف"، وما لم يكن هناك تفكير في الآلية تصبح عبارة "توفير الظروف" بمثابة التأجيل لأمر كان ينبغي الشروع في تطبيقه عام 2006. ولا يمكن التأجيل بأي حجّة بعد اليوم، خصوصاً بعد حادثتي إطلاق الصواريخ على شمال اسرائيل في أيّام الحرب على غزّة. وبشأن الفقرة الثانية من إجماعات متحاوري الأمس، فإن التأكيد على "رفض توطين اللاجئين الفلسطينيين" منادى لأن يوضح مقصده: فإما أن يكون رفض التوطين من خلال إبقاء الجزر الأمنية كما تقول قوى الممانعة، وإما أن يكون رفض التوطين من خلال سريان القانون اللبناني على كافة أراضي الجمهوريّة اللبنانيّة، وهذا ما يوجه النظام الدستوريّ نفسه. ينبغي حسم هذه المسألة: ثمّة فريق يعتبر أن "السلاح" خارج المخيمات غير المنضبط في كنف الدولة هو ضمانة لمكفاحة التوطين، لكن ثمة فريقاً آخر يعتبر أن هذا "السلاح" هو شكل من أشكال التوطين.

ونأتي إلى ما أجمع عليه المتحاورون من "استكمال تشكيل فريق الخبراء المكلف استجماع الأوراق المقدّمة بشأن الإستراتيجية الدفاعية ودراستها واستخلاص القواسم المشتركة، سعياً لدمجها في مشروع نص موحّد يوضع على طاولة الحوار بعد إنتهاء أعماله". طبعاً هذه صياغة تزكّي منطق البحث عن "النقاط المشتركة" الذي يقول به رئيس الجمهورية، لكن لتتميم هذا المنطق لا بدّ من أن يعطى رئيس الجمهورية نفسه الحق في إستنباط القواسم المشتركة وليس فقط إكتفاء الخبراء بالتنقيب عنها في ثنايا هذه الورقة أو تلك. إن إستمرار طاولة الحوار وتثمير نقاشاتها رهن بتفويض كافة الأطراف الرئيس سليمان بمرجعية تحكيميّة ستكون قادرة، شيئاً بعد شيء، من إيجاد حل لمعضلة المعضلات: كيف السبيل إلى الخروج من وضع لا سبيل فيه لمعالجة مشكلة سلاح "حزب الله" ولا سبيل فيه أيضاً للتغاضي عن هذه المشكلة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل