الحلقة المفرغة
بالأمس كانت جلسة جديدة من جلسات الحوار الوطني المخصصة للبحث في الاستراتيجية الدفاعية. وبالامس ايضا كان موعد جديد بعد شهر لاستكمال البحث في ملف ينقسم حوله اللبنانيون الى حد التناقض الحاد والعنيف.
الانقسام حاد، والاستقطاب اكثر حدة وينذر بمرحلة مقبلة من الصدام السياسي الذي يمكن في مناسبة الانتخابات المقبلة ان يأخذ ابعادا عنفية قد تدفع البلاد الى نوع من الفوضى. فبين نظرة "حزب الله" الذي يعتبر ان السلاح ثابتة لا يمكن التنازل عنها، حتى وإن اقتضى الامر اشعال البلاد على النحو الذي حصل السنة الماضية، ونظرة الاستقلاليين الذين يرون ان السلاح المذكور يمكن أن يصنع حروباً تقرر في الخارج، وفتناً تتنقل بين اللبنانيين لترفع بينهم جدرانا عالية يستحيل تخطيها، فيصير الجمع بين الطرفين اشبه بجمع الماء والزيت: لا شيء يجمع بينهما حتى وإن تفتقت العقول التوفيقية عن تقديم طروحات وسطية تحاول إرضاء الجميع. فمالك السلاح الذي سبق ان استخدمه ضد اللبنانيين، لا يضع في حساباته امكان تلبية رغبات الغالبية العظمى من اللبنانيين المعارضة لسياسته في الاحتفاظ بسلاح فئوي فتنوي، والاستقلاليون في المقابل يفترض بهم ألا يقبلوا بأقل من انهاء سلاح يقع على نقيض من الحياة المشتركة ومشروع الدولة الواحدة ودولة القانون، الذي يتساوى امامه كل اللبنانيين من دون استثناء.
لا مساواة اليوم امام القانون. فثمة لبنانيون مسلحون، استخدموا سلاحهم في الداخل والخارج، وما من شيء يؤكد انهم لن يستخدموه ثانية وثالثة ورابعة. وثمة لبنانيون آخرون، هم الغالبية العظمى من الشعب يخضعون للقانون، وهم عزل لا ينشدون سوى حياة طبيعية في حمى الدولة ومؤسساتها. الفئة الاولى تعتبر نفسها فوق القانون فتقيم قانونا خاصا بها، وتنمي مؤسسات، وتبني نمط حياة مستقلاً عن بقية اللبنانيين، الامر الذي ينمي فيها نفسا فوقيا في التعامل مع الآخر في الوطن يتجلى في المواقف التي تتردد على ألسنة المسؤولين في "حزب الله" وبقية الاحزاب التابعة في كل مرة يتعرضون لانتقاد حقيقي، فيضعون على الطاولة "تجربة" 7 ايار كوسيلة لفض الخلاف! اما الفئة الثانية فتخضع للقانون والمؤسسات، تفكّر في الاقتصاد، والثقافة، والتعليم، واستدراج عوامل الازدهار، وتعميق الاستقرار، والحياة المشتركة في اطار من التعددية التي تحترم الخصوصيات الاجتماعية الثقافية والدينية.
لا يهدف الوصف اعلاه الى التقليل من شأن هذا الفريق، ولا اعلاء شأن ذاك الفريق. وانما الهدف منه الاشارة الى البون الشاسع بين نمطين في التفكير، والاهداف، الوسائل. وهذه بالتحديد هي المشكلة التي تعتري كل حوار تسكنه، خصوصا الحوار الذي يتناول مسألة في دقة سلاح "حزب الله". فبدل ان تأتي تجربة غزة الكارثية لتقرب المسافة، وتسهّل البحث في الخلاف، فقد دفعت "حزب الله" الى اعتبار البحث في مسألة السلاح منتهيا، وصولا الى استبدال فكرة استيعاب الجيش للمقاومة، بفكرة استيعاب المقاومة للبنان بأسره! وهذا ما يزيد من تعقيدات المسألة الى حد يستحيل معه التوفيق بين التوجهين. من هنا الخشية ان يصل الامر مع اقتراب موعد الانتخابات الى احتكام بعضهم الى منطق الشارع باعتبار ان من لا يملك السلاح يملك في المقابل سلاحا امضى هو سلاح الموقف الذي وحده يمنح شرعية ومشروعية. لذلك لا يجوز ان يمنح الاستقلاليون تلك الشرعية المفتقدة، اياً تكن موازين القوى في الشارع. وفي الانتظار يبقى الحوار ليدور في حلقة مفرغة الى ما شاء الله !