"حزب الله" وفن "التنقيط"
لا يملك اللبنانيون سوى الصلوات الطيبات والدعوات الصالحات كي يمد الله في عمر التهدئة التي ولدت في الدوحة العام الفائت.
فـ"حزب الله" يعرف، وخصومه يعرفون، أنه ليس جاداً في السعي إلى تفاهم وطني معهم، لا في موضوع "الاستراتيجية الدفاعية"، ولا في شأن بناء الدولة، ولا قيامة الوطن. والتذاكي الذي تمارسه قيادته بفرض تكتيكها على طاولة الحوار لا يغيب عن أصحاب الحد الأدنى من الذكاء: دفعت غالب الأطراف إلى تقديم تصوره لما تسميه إستراتيجية دفاعية، وحين انحشرت أصرَّت على ألا تقدّم نصّاً مكتوباً لما قد يكون مشروعها، كأنها تتجنب أن تلتزم وثيقة، إنطلاقاً من منطق "ما كتب قُرّ، وما قيل فرّ". علماً بأن منطق الأحداث كان يفرض أن يكون هذا الحزب أول من يقدم تصوره لما يسمى "استراتيجية دفاعية"، لأنه الوحيد الذي يناقض منطق الدولة في حقها، كمرآة لإرادة شعبها، في رسم السياسة الدفاعية، كما السياسات الأخرى التي تحفظ الوطن واستقلاله.
الدليل الجديد على ذلك أن جلسة الحوار الرابعة، لما تكد تنتهي حتى بدأ الحزب يحيي شروطه القديمة التي أطلقها منذ خروج نظام الوصاية من لبنان، وتحديداً منذ رفع شعار "شكراً سوريا" في 8 آذار 2005، وفي طليعتها المطالبة بقيام دولة قوية، ليس من موقع الطرف الشريك في الوطن والمشارك في قيامة دولته، بل من موقع من أنشأ دولته ويتحدى الآخرين أن يقيموا دولة تقدم له اكثر مما يحصل عليه، من سلطة وقوة وهيمنة، كي يفكر بأن يقتنع بالانضمام إليها.
أول الغيث أطلقه، أمس، الوكيل الشرعي لمرشد الثورة الإسلامية في إيران الشيخ محمد يزبك، في تهديد موجه إلى اللبنانيين جميعاً: "حزب الله" لن يتنازل عن سلاحه ما لم يتم "تأسيس دولة قوية عادلة".
بمعنى آخر، أدخل الحزب عقبة جديدة – قديمة أمام ولادة استراتيجية دفاعية (إن يكن يؤمن بضرورة وجودها بمشاركة وطنية)، هي ولادة الدولة القوية العادلة، وهو عملياً، وعلى سجيَّته في التلاعب بالحوار وتعليق مصير البلاد على رؤيته المستقبلية للوطن من ضمن الاستراتيجية الإيرانية الشمولية، سينحو بالنقاش الداخلي إلى بندين جديدين، هما تحديد ما يعنيه بالدولة القوية وما يقصده بالدولة العادلة، ليغرق النقاش في ما يبعده عن الاستراتيجية التي يلوّح بها.
كل ذلك، والحزب لا ينفك يلوّح بأنه لن يتخلى عن سلاحه "أكثر من أي وقت مضى" على ما يقول المسؤول عن العلاقات الدولية لديه الذي يتخطى هدف طاولة الحوار بإعلان فصيح عن "العمل للاستيعاب التدريجي للقوى السياسية في إطار المقاومة"، بينما يقفز شريكه في المسؤولية الحزبية في الجنوب فوق حدود لبنان، إلى ضرورة "تعميم استراتيجية المقاومة على جميع دول المنطقة".
هل يضفي هذا الكلام أملاً في جدوى طاولة الحوار؟
الواقع ان أدبيات الحزب، التي تعتمد تقنية التنقيط للري الزراعي لتبيان أهدافه البعيدة، تكاد لا تشعر اللبنانيين بمنطقها الوطني حتى ترتد إلى منهل سياسته الاستراتيجية الإقليمية الإسلامية عنواناً، والإيرانية واقعاً، مما يحيل كل بحث داخلي عن حل نهائي لسلاح "حزب الله" بحثا بلا أفق.
ففيما تسعى قوى 14 آذار إلى النأي بلبنان عن نيران المنطقة من دون تخليه عن التزامه العربي، ولا سيما حيال القضية الفلسطينية، تجر قيادة الحزب لبنان ومعها قوى 8 آذار إلى أتون الشرق الأوسط، مرة بحجة "مسمار" شبعا (متجاهلة الموقف السوري منها)، وقبلها مرات بحجة الأسير الذي كلف اطلاقه أسرى إضافيين ودمار أكثر من مئة ألف وحدة سكنية، وتشريد مليون مواطن، وآلاف الشهداء.
السبب الإقليمي لكل ذلك هو السعي إلى ملء الفراغ السياسي في الشرق الأوسط. فعملية السلام في غيبوبة. والموقف العربي الواحد في تغييب. والغطرسة الإسرائيلية حاضرة، فيما مواجهتها عربياً مفتتة، باتفاقات سلام، وبعجز سلاح، وبانشقاقات فلسطينية عمدتها "حماس" بالنار، وبسلخ قطاع غزة عن "السلطة الوطنية".
في ظل ذلك، فتحت حرب غزة لتأكيد فرص ملء الفراغ بالقوة الاسرائيلية يواجهها التصدي اللفظي الإيراني الذي تجلى بدعوة خامئني المتحمسين الإيرانيين إلى دعم أهالي غزة بابتهالات إيمانية ضمن لهم إنها ستستجاب.
وارفقت طهران "التصدي" بحملة على مصر، وأمل في "ثورة" تهز أكبر الكيانات العربية. وانعقدت قمة الدوحة لتكريس الانقسام العربي الذي يكرس الفراغ. والتأمت قمة دول مجلس التعاون لتدارك مزيد من التفتيت يصيب المجموعة الوحيدة شبه المتماسكة في العالم العربي. فيما حلت قمة الكويت، بخطاب الملك عبد الله بن عبد العزيز، في موقع منقذ الهوية العربية للمنطقة.
لكن خطاب خادم الحرمين ليس مجرد دعوة إلى مصالحة عربية، بل هو أقرب إلى تحذير ونداء. تحذير للعرب من نزع هويتهم عن المنطقة. ونداء إلى الإدارة الأميركية الجديدة لأن تتبنى القرار الأممي 1850، وفيه مبادرة السلام العربية، وإلا غرقت المنطقة في الفوضى، وتناهشتها إسرائيل وإيران.
الموفد الأميركي الجديد جورج ميتشل في المنطقة قريباً. لكن مجيئه لن ينهي التوتر، بل سيهدئه في إنتظار الانتخابات الاسرائيلية، وترقّب ما ستحصل عليه طهران في ملفها النووي.
تحديداً، وفي انتظار ذلك، واستلحاقاً بسعي طهران لقبول واشنطن بترشحها لملء الفراغ السياسي في المنطقة، سيظل "حزب الله" ينفث الهواء البارد والهواء الساخن معاً في الداخل، وسيبقى يخترع العقبات أمام بت مصير سلاحه.