المتأثرون بالأنظمة الشمولية وحكم الحزب الواحد يضيرهم قيامها
مواقف سليمان تفرز المؤيّدين والمعارضين للوسطية
تستمر حملة بعض قوى 8 آذار ولا سيما حلفاء سوريا وايران في لبنان ليس على قيام "كتلة وسطية" فحسب، بل على الرئيس ميشال سليمان نفسه لإخراجه عن مواقفه التوافقية والوفاقية بحيث يكون اما مع هذا الطرف او ذاك… كي يزداد الانقسام الافقي والعمودي في البلاد حدة وخطورة. وينسى هؤلاء ان الرئيس سليمان اختير رئيسا للجمهورية لكونه توافقيا ووسطيا بين جميع الاطراف وعندما يكون مع هذا ضد ذاك يفقد هذه الصفة.
وقد حاول البعض في قوى 8 آذار حشره عند دعوته الى لقاء الدوحة، فمارس ضغوطا سياسية واعلامية عبرت عنها الهتافات العدائية في تظاهرة عوكر لجعله يقرر حضور هذا اللقاء الذي لم يكن بعض قوى 14 آذار مرحبا به. لكن الرئيس سليمان بعيدا عن اي موقف او خلفيات استوحى ضميره ومصلحة لبنان وقرر الحضور وقال فيه ما يجب قوله بصراحة ووضوح، فأرضى بذلك البعض ولم يرض البعض الآخر، لكنه ارضى بالتأكيد الشعب اللبناني بغالبيته المطلقة، وقد طلب عدم اطلاق اسم "قمة عربية" على لقاء الدوحة وجاراه في موقفه هذا الرئيس الاسد مقيدا بأحكام ميثاق الجامعة.
لذلك لا يستطيع اي طرف ان يفرض على الرئيس سليمان موقفه وخطه السياسي ويجعله يختار اللون الاخضر واللون البرتقالي وليس اي لون آخر والا اتهم بان لا لون له… والرئيس سليمان يختار اللون الذي يرى ان الظروف المحلية والاقليمية والدولية تفرض اختياره ويكون في مصلحة لبنان قبل اي مصلحة اخرى، وان من يصرون على ان يكون مع هذا اللون او ذاك، وان تبقى البلاد منقسمة انقساما حادا بين كتلتين كبيرتين: كتلة 14 آذار وكتلة 8 آذار ولا كتلة وسط تقف بينهما ويكون صوتها هو المرجح عندما تطرح المواضيع الاساسية والمهمة، فان هؤلاء يريدون ان يخرج لبنان من نظامه الجمهوري البرلماني الديموقراطي الى النظام الشمولي او نظام حكم الحزب الواحد، وانتخابات تكون نتائجها 99,99 في المئة واعتبارها ديموقراطية حرة… وان كانت هذه "الديموقراطية" تسمح برفض اي مرشح غير مرغوب فيه وحصر الترشيح بالمرغوب فيهم فقط.
اما قول بعض منتقدي قيام كتلة وسطية بأنها تجعل رئيس الجمهورية طرفاً عندما تتوجه برأيه، فيما المطلوب أن تبقي الرئيس على الحياد ولا يحسم مواقفه حتى عندما يواجه قضايا مهمة، يتوقف على حسمها مصير البلاد والكيان والمصلحة العليا، فان اوساطا سياسية ترد على ذلك بان الدستور نفسه لم يضع رئيس الجمهورية حتى بعد تقليص صلاحياته في موقع الحياد عندما يواجه المواضيع المثيرة للخلاف بين موالاة ومعارضة وبين اكثرية واقلية، فالدستور اعطاه حق رد مراسيم صدرت عن مجلس الوزراء حتى لو بشبه اجماع لإعادة درسها وكذلك اعادة مشاريع اقرها مجلس النواب لدرسها مرة اخرى في ضوء الحيثيات التي ترد في اسباب اعادتها وان لا يوقع مرسوم تشكيل الحكومة اذا لم يكن تشكيلها مقبولا لأسباب شتى. افلا يكون رئيس الجمهورية في هذه الحال صاحب موقف تفرض عليه مصلحة البلاد لا مصلحة اشخاص ومنافع ذاتية، اليس من الافضل ان يكون لرئيس الجمهورية كتلة وزارية وكتلة نيابية تصوتان على المشاريع والقضايا المطروحة بتوجيه منه، عوض ان يلجأ الى حقه الدستوري برد هذه المشاريع مع احتمال حصول مواجهة بينه وبين الاكثرية في مجلس الوزراء او بينه وبين الاكثرية في مجلس النواب. وتضيف الاوساط نفسها انه ايام كان لبنان منقسما سياسيا بين قيسي ويمني، وكتلوي ودستوري ونهج وحلف، كان هناك مستقلون على قلتهم ولم يكونوا لا مع هذا ولا مع ذاك، ثم أليس داخل قوى 8 آذار مستقلون لكنهم يلتزمون قرارات رؤساء هذه القوى وعن غير اقتناع احيانا، فلو انه كان في مجلس النواب كتلة وسطية لكانوا انضموا اليها لانهم يكونون أحراراً في التعبير عن رأيهم وموقفهم وغير ملزمين لا برأي رئيس الكتلة او الحزب ولا برأي الاكثرية، بل ان الكتلة الوسطية تصبح هي التي تشكل بموقفها الاكثرية المطلوبة عند وقوفها مع احدى الكتلتين النيابيتين الكبيرتين لان ايا من هاتين الكتلتين لا تستطيع تأمين الاكثرية المطلوبة عند التصويت بدون "الكتلة الوسطية".
وما دام الرئيس ميشال سليمان لم يخطئ حتى الآن في جميع مواقفه، وقد حظيت في الداخل والخارج بدءا بخطاب القسم بتأييد الاكثرية والاقلية في مجلس النواب الحالي، فان تأييد مواقفه مستقبلا ومع قيام مجلس النواب العتيد هي التي تفرز الكتل فيه بين موالين ومعارضين، فاذا كان ثمة اجماع على تأييد مواقفه، فمعنى ذلك ان الجميع هم موالون له ولا تعود "الكتلة الوسطية" هي التي ترجح كفة مواقفه بل يكون اجماع او شبه اجماع على تأييدها وتصبح الموالاة والمعارضة حيال الحكومة فقط. فعندما يقول الرئيس انه مع قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل اراضيها، وان لا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، وعندما يقول ان الجيش هو حامي الحمى وهو الذي يزود عن حياض الوطن ويتصدى لكل اعتداء يقع عليه مدعوما من الشعب على اختلاف اتجاهاته ومشاربه ومذاهبه، وعندما يقول بالاحتكام الى المؤسسات الدستورية لحسم كل خلاف وليس الى الشارع وعندما يقول بتنفيذ القرارات الدولية ولا سيما منها القرار 1701 حماية للبنان وحفاظا على الامن والاستقرار فيه وعندما يتمسك بالسيادة والاستقلال والقرار الوطني الحر فمن من الكتل النيابية والاحزاب يعارض ذلك؟ ولماذا اعتبار ان الكتلة الوسطية التي قد تكون محسوبة عليه هي التي تؤيد هذه المواقف وترجح كفتها عندما تكون الاحزاب والكتل مؤيدة لها ايضا؟
الى ذلك، فان رئيس الجمهورية لن يكون حياديا عندما تواجه البلاد الاخطار ويتهدد مصير الوطن، بل يكون له الموقف التاريخي والوطني الذي يراه في مصلحة البلاد العليا وليس في مصلحة طرف ضد آخر، وعلى ضوء ما يقرره كل حزب او كتلة من هذا الموقف تكون موالاة ومعارضة سواء في قوى 8 آذار او 14 آذار. فالحياد عند مواجهة القضايا المصيرية مضر جدا كالساكت عن الحق شيطان اخرس… فبعض رؤساء الجمهورية الذين وقفوا على الحياد عند مواجهة هذه القضايا عرّضوا البلاد لأخطار شتى ولحالة عدم استقرار، والذين وقفوا بما تمليه عليهم مصلحة البلاد تحملوا المسؤولية الوطنية والتاريخية. فكما ان الحياد في نظر بعضهم كان يجنب البلاد احيانا الفتنة. فان مواقف البعض التي لا حياد فيها كانت تهز الامن والاستقرار خصوصا عندما لا تكون تحظى بموافقة وتأييد القوى الاساسية في البلاد. فالجميع يذكرون وقوف الرئيس شارل حلو على الحياد عندما انقسمت الحكومة الرباعية بين مؤيد لاخراج الفلسطينيين المسلحين من منطقة العرقوب، ومعارض لذلك، وادى موقفه هذا الى استقالة الحكومة برمتها، والى بداية انتشار هؤلاء الفلسطينيين في معظم المناطق اللبنانية ولا سيما في الجنوب. فكانت حرب السنتين بين لبنانيين وفلسطينيين، فلو ان الرئيس حلو صوّت الى جانب من طالبوا باخراج الفلسطينيين من منطقة العرقوب قبل ان ينتشروا الى مناطق اخرى، هل كانت حرب السنتين وقعت، ام ان فتنة داخلية هي التي كانت ستقع وهي اشد خطرا منها؟