الكتلة الوسطية في قراءة عقلانية وموضوعية
بقلم: دافيد عيسى
يدور اليوم في الوسط السياسي اللبناني سجال حول الكتلة الوسطية أو المستقلة بشكل بعيد كل البعد عن المنطق حتى لا نقول بشكل بعيد عن الأصول واللياقة وعن عاداتنا اللبنانية وهذا ما يجعل الناس تترحم على الطبقة السياسية التي سبقت والتي كانت تجيد الأصول والقواعد في السياسة و التخاطب السياسي في ما بينها.
من هنا كان لا بد من اعطاء رأي حول هذا الطرح بموضوعية وعقلانية وبعيداً عن التحدي والمهاترات ودون تحيز بين فريق وآخر.
ان معظم الدراسات والإحصاءات التي تقوم بها شركات حيادية تدل على ان هناك فريقاً كبيراً من اللبنانيين سئم الخلافات والصراعات السياسية وهو يقف على مسافة واحدة من قوى 8 و 14 آذار ويريد الخروج من هذه الدوامة التي يعيشها لبنان منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري وما تلاها من حروب وخلافات وانقسامات ومزايدات ويريدون قيام دولة حقيقية، هذا دون ان ننسى الوضع الاقتصادي والمعيشي الذي يرخي بثقله على اللبنانيين حيث أصبح هناك قسم كبير منهم يعيشون دون خط الفقر وهم بحاجة إلى من يهتم بهم ويساعدهم على تأمين لقمة العيش الكريم لهم و لعائلاتهم وكذلك فهم يرون ان الخلافات الإقليمية تنعكس على الداخل اللبناني خلافات بين القوى السياسية ولبنان وشعبه يتحملان نتائج هذه الخلافات التي لا ناقة له فيها ولا جمل …
الجميع يتذكر انه بعد انتخاب الرئيس ميشال سليمان رئيساً توافقياً للبنان وما رافق هذا الانتخاب من ارتياح لبناني ودولي عادت التجاذبات والسجالات بين قوى 8 و 14 آذار حول الحقائب وشكل الحكومة وضرورة اعطاء الثلث المعطل او الضامن إلى ما هنالك من تسميات إلى الأقلية او المعارضة مع العلم انه وحسب الأصول لا يحق للأقلية ان تطالب بالثلث المعطل في بلد ديمقراطي تكون فيه أكثرية منتخبة من الناس ، ولكن كون لبنان بلداً معروفاً بحساسياته وخصوصياته ودقة الحكم فيه أصبح هناك شيء متعارف عليه في السياسة وبين السياسيين أسمه " الديمقراطية التوافقية" أي مشاركة جميع القوى السياسية في السلطة والحكم حتى لا يستفرد أي فريق سياسي بالسلطة. من هنا أعطيت الأقلية الثلث الضامن داخل مجلس الوزراء ، وكلمة الضامن تعني ضمان عدم الاستفراد في السلطة والحكم لأي فريق كان.
اليوم وقد أصبحنا على مشارف انتخابات نيابية تجري على أساس قانون 1960 أي قانون انتخابي جديد لم يجربه اللبنانيون بعد ، فمن الظلم بمكان وضع الناس أمام خيارين سياسيين لا ثالث لهما او فرز الناس بين 8 او 14 آذار بما معناه في السياسة اما ان تكون 8 ام 14 آذار ومن لا يكون في هذين الخطيين السياسيين يكون متآمراً او يريد غلبة فريق على آخر ويتم تخوينه واتهامه بالتآمر …
بالفعل إنها بدعة سياسية لم يشهدها لبنان في تاريخه السياسي لا بل انها قمة الديكتاتورية أي اننا أمام سلطة الحزبين الحاكمين ( يعني أكثر ديمقراطية بشوي من غيرنا بالمنطقة).
لا يجوز منع الناس من التعبير عن أرائها ، او وضع الناس أمام خيارين سياسيين فهنالك الكثير من الناس يرى ان 14 آذار لها ما لها وعليها ما عليها و8 آذار كذلك وان هذه القوى تصيب احياناً وتخطىء احياناً أخرى وليس عند أي منهم الحق بالمطلق ، من هنا أتى الطرح الثالث المنادي بالكتلة الوسطية.
ان الكتلة الوسطية تعني في السياسة والانتخابات إنها ستواجه الفريقين السياسيين 8 و 14 آذار وستكون ضد الاثنين انتخابياً أي ستكون هناك 3 لوائح : لائحة 14 آذار و لائحة 8 آذار ولائحة وسطية وهذا حق يكلفه القانون والدستور وهنالك قوانين انتخابية في لبنان تسمح لأي كان بالترشح إلى الانتخابات النيابية ضمن الشروط والقوانين المعروفة.
ان من يعترض على الكتلة الوسطية يكون على حق عندما يترشح شخص معين على إحدى لوائح 8 او 14 آذار ويقول انا وسطي فعندما يكون على لائحة 14 آذار يكون حكماً منتمياً إلى هذا الفريق السياسي وعندما يكون على لائحة 8 آذار كذلك الأمر يكون منتمياً إلى هذا الفريق السياسي ولا يحق له ان يقول انه وسطي ، فالناس أصبحت مسيسة حتى العظم ولا يمكن لأي سياسي كان ان يسخر من الشعب ، فكل سياسي في لبنان معروف حلة ونسباً وان زمن الكذب على الناس قد ولى إلى غير رجعة.
من هنا عندما تكون هناك لائحة ثالثة تواجه لوائح 8 و 14 آذار فهذا يعني ان هذه اللائحة لا تنتمي إلى هذين الفريقين السياسيين . فالكتلة الوسطية تأخذ الأصوات من أمام الفريقين على حد سواء.
لنكن واقعيين ونقول الأمور كما هي ان من يعترض على الكتلة الوسطية كأنه يريد فرض واقع على الناس ووضعهم أمام خيارين سياسيين بالقوة نعم أقولها بالفم الملآن بالقوة وهذا أمر مرفوض ولن نسمح به.
ان وجود كتلة وسطية داخل مجلس النواب تعطي الأمان والاستقرار للحياة السياسية في لبنان وتكون هذه الكتلة بمثابة "صمام الأمان" لأي قرار يمكن ان يؤدي إلى انقسام بين اللبنانيين وان الكتلة الوسطية هي الكتلة الضامنة داخل مجلس النواب تماماً كما الثلث الضامن داخل مجلس الوزراء…
لا يجوز ان نطلب الشيء ونقيضه في السياسة ، فكيف نطالب بالثلث الضامن داخل مجلس الوزراء ونرفضه داخل مجلس النواب فاما ان نعمم هذه التجربة على كل المؤسسات او نرفضها في كل المؤسسات.
وحول ما يحكى ان الكتلة الوسطية في الشارع المسيحي هدفها إضعاف هذا الفريق أو ذاك ، ولماذا هي فقط عند المسيحيين ؟ فأنني أجيب بكل بساطة لأن الانتخابات عند بقية الطوائف محسومة ومعروفة النتائج أما عند المسيحيين فهناك مع الاسف انقسام سياسي كبير سيؤدي إلى معارك انتخابية طاحنة وهذا ما يحتم قيام كتلة وسطية تخفف من حدة هذه الانتخابات.
لقد آن الاوان لأن نضع المصلحة اللبنانية العليا فوق المصالح الخاصة والذاتية ولم يعد مسموحاً ان نبقى على هذا المستوى من التخاطب السياسي بحيث اننا نخون كل من لا يتفق معنا في الرأي ويصبح متآمراً وعميلاً.
ان الحوار هو الطريق الصحيح للوصول إلى تفاهم بين اللبنانيين وان الخلاف في الرأي يجب ان يبقى في أطره الديمقراطية وان التجارب السياسية أثبتت انه لا يمكن لأية طائفة او حزب سياسي مهما علا شأنهما ان يلغيا الآخر او ان يفرضا رأيهما بالقوة على اللبنانيين … ألم نتعلم بعد من دروس الماضي؟