إنهم يفلحون البحر
اللبنانيون يدركون في قرارة نفوسهم أن طاولة الحوار لن تنتج حلولا عجائبية لمشكلات كثيرة التعقيد والتشابك الداخلي الخارجي، كالسلاح الثقيل والخفيف الذي يملأ الفيافي والمحميات والمخيمات والدويلات ويفيض عنها، والاستراتيجية الدفاعية التي تشبه "غودو" برتولد بريشت.
هذا امر شبه محسوم بالنسبة الى السواد الاعظم من السكان الاصليين، وحاملي الهوية، والمقيمين بين الربوع لا منّة ولا شكوراً.
لكن الجميع يعترفون ان من حسنات جلسات الحوار انها تجمع، في ما يشبه عملية جمع الماء والنار، أهل الموالاة وأهل المعارضة، ولو على طريقة اجتماع أهل القاطع وأهل جبال المجد.
على الاقل يجتمعون في غرفة واحدة. والى طاولة واحدة. واحيانا وجها لوجه، إن لم تكن النار في جيرة الماء.
بل يتصافحون، ويتبادلون التحيات والابتسامات وكلمات المجاملة… من رؤوس الشفاه، انما على رؤوس الأشهاد.
وقد يسأل واحدهم جاره الجالس الى جانبه، او ذاك الذي يجلس قبالته: كيف الصحة، كيف الحال، كيف شايفلنا هَـ الوضع…
المهم، يحصل شيء. يحصل كلام قريب من الود العابر، مقابل هذا الجبل "الأشم" من الجفاء والخصومة.
ومن حسنات الطاولة ايضا انها تبقي الجسور والابواب (والقلوب؟) مفتوحة بعضها على بعض، ولو من باب كسر الجليد السميك مرة في الشهر او الشهرين…
غير ان المسألة مختلفة جداً وكثيراً بالنسبة الى جوهر القضية، وجوهر الخلاف، وجوهر العقدة التي صارت فوق السبع طوق.
والقاصي يجزم قبل الداني بان لا الاكثرية تعوّل على هذا الحوار لحل ازمة الاستراتيجية الدفاعية وسلاح "حزب الله" والمخيمات وحكاية ابريق الزيت. ولا المعارضة في هذا الوارد.
جميعهم كلهم متفقون على الاعتراف بينهم وبين انفسهم بأن الحكي بالاستراتيجية والسلاح في هذا الوقت يشبه تماما فلاحة البحر، او تضييع الوقت الضائع أصلاً وفصلاً .
لا شيء، لا حلول، لا مخارج، في الوقت الحاضر، ولا حتى في المدى المنظور.
هناك ما يشبه "التواطؤ" الضمني، حتى بالنسبة الى الناس العاديين، على عدم فرط "خشبة" الحوار التي تشبه خشبة الخلاص في هذه الفترة الحرجة.
والاسباب والعوامل مقنعة. كل العالم يقف سنكي طق في انتظار مبادرات العهد الاميركي الجديد، وخصوصا على صعيد أزمات الشرق الاوسط و"المايسترو" الايراني، وآلة القتل الاسرائيلية.
اما السبب "اللبناني" الذي يمكن ان يكون طرفاً مباشراً في خضم هذه الفوضى الاوسطية العارمة، فهو يتصل مباشرة بالانتخابات النيابية، و"مصيرها"، وتحالفاتها، وما ستسفر عنه سلباً وايجاباً.
فضلا عن عوامل كثيرة تستوجب كلها بقاء طاولة الحوار متأهبة لاستضافة مَن لن يتفقوا… الى ان يقضي الله امراً كان مفعولا.
وعند الحشرة لا مانع من الاستعانة بمقبرة اللجان.