انتهت حرب غزة كما حرب لبنان… فأين الحساب؟
كما جرى في لبنان صيف العام 2006 هكذا في غزة عام 2009 انتهت الحرب المأساة "بالنصر المبين" للطغمة الحاكمة التي لا تعرف من الحكم سوى القرارات الكلامية ولا تتحمل بالطبع تبعات هذه القرارات. انتهت حرب غزة وضاع من ضاع وقتل من قتل ولا من سائل أو محاسب لا بل فقد طغت العواطف "النبيلة" عواطف "التآخي" والدعم على مجريات الأحداث فنتج عنها ما يشبه التأييد لعمل "حماس" وجماعتها لأن العرب خافوا من المواجهة مرة أخرى وفضلوا عليها المجابرة, بل قل المتاجرة.
نحن نفهم أن يكون لدى القادة الإسرائيليون بعض الحوافز الشخصية المتعلقة بالانتخابات ومن هنا كان الاستعجال بدفع الأمور باتجاه المواجهة "الاستعراضية" كي لا يخسر من في الحكم مقاعدهم أمام "الليكود". ولكننا لا نفهم أن تزج "حماس" بشعب غزة ودويلتها في هكذا حرب من دون فائدة لا بل بكل هذا الثمن المتوقع مسبقا.
ولكن "حماس", كما "حزب الله" في لبنان, لهم حساباتهم الخاصة لا بل لهم مخططاتهم أيضا, كما يبدو. ف¯ "حزب الله" الذي عرف قدراته بمواجهة إسرائيل وآلتها العسكرية, لا بل عرف أن هكذا دولة لا تتحمل الكثير من "الزكزكة" ولا بد لها من أن تنتفض وانتفاضها مكلف للطرف الآخر بالتأكيد, "حزب الله" هذا أراد استدراجها إلى الحرب وأراد, وفق النتائج, تدمير الجنوب وأهله, لا بل لبنان بأجمعه لكي يسهم هذا بتغيير الظروف التي كانت محيطة به والتي كادت أن تفرض تسليمه السلاح للدولة والتخلي عن الهيمنة والسيطرة الناتجتين عنه. من هنا فمقولة السيد حسن نصرالله بأنه "لم يكن يعلم" غير صحيحة فهو يعلم خير العلم بالنتائج وهو دفع باتجاه المواجهة ولم يلزمه أحد عليها.
قد يحاول البعض تفسير موقف السيد حسن أو موقف "حماس" اليوم في غزة بأنه "بطولة" وبأنه "مقاومة" ولكن الكل يعرف بأن "المقاومة" أصلا يجب أن تكون لحماية أهلها لا لزيادة شقائهم, لرفع الضيم عنهم لا لقتلهم. فإذا كان "العدو" قد انسحب من لبنان فلما نعتدي عليه ونقاتله في أرضه? وحتى في مقولة مزارع شبعا نحن على خطأ لأن هذه أراض يملكها لبنانيون, صحيح, ولكنها تقع ضمن الأراضي السورية وفق خط الحدود المرسوم بين البلدين منذ العشرينات, كما يدعي السوريون, ولا يمكن أن تصبح لبنانية إلا بتخلي السوريين عن حق السيادة عليها ما لا يقدر السوريون عليه, نظريا, بسبب وقوعها ضمن أراضيهم المحتلة منذ عام 1967 وهم لم يكونوا قد فعلوا قبل ذلك التاريخ (في المفاوضات بين البلدين على 36 نقطة خلاف على الحدود بين البلدين) فلما يفعلون اليوم?
نحن نفهم أن يكابر العرب ليطوقوا سورية ويحاولوا إعادتها إلى الحظيرة العربية بعد أن جمحت باتجاه إيران ووقفت وراء "حماس" في غزة و"حزب الله" في لبنان حتى أصبحا قاعدتين للفرس على شواطئ المتوسط ولكن ما لا نفهمه هو السكوت الإعلامي العربي على زعماء "حماس" الذين تسببوا بكارثة للشعب الفلسطيني هذه الكارثة تحدث للمرة الثانية ويدفع ثمنها الأبرياء ويقبض ثمنها القادة الذين يختبئون في الجحور ويتركون الشعب يتحمل وزر قراراتهم ثم ينهضون بعد انتهاء المجازر ليدعوا النصر ويجلسوا إلى طاولات التفاوض.
قد يكون العرب يئسوا من الحرب التي يعرفون مسبقا ومنذ 1948 أنها من دون جدوى ولكنهم لم يقدروا بعد على المجاهرة بأن السلام يمكن أن يعيد "الحقوق" أكثر من الحرب وأن العداوة لإسرائيل التي كانت فيما مضى سيفا صالحا لمحاربة أعداء الأنظمة في الداخل لم تعد كذلك اليوم لا بل أصبحت هي وسيلة هؤلاء المثلى وطريقهم إلى السيطرة على الشارع وفرض الرأي بقوة الغرائز وبالضحايا البريئة.
إذا كانت الصهيونية لا اليهود هي عدو العرب, كما يصرح بعض المنظرين كل يوم على وسائل الإعلام, فالأجدر أن يفتش هؤلاء عن شريك محتمل في الدولة العبرية تجاوز الفكر الصهيوني, وهنا قد يكون المغفور له اسحق رابين مثلا, الذي دفع حياته ثمنا لمشروع السلام مع الفلسطينيين, وبعض حاملي أفكاره ومنهم الرئيس بيريس والوزير باراك, هذا الشريك المحتمل. ولكن الصهيونية, وهي إحدى الحركات القومية التي نشأت في القرن التاسع عشر على غرار الحركات القومية في أوروبا وكان هدفها إقامة دولة لليهود, لا تزال تجد المزيد من المؤيدين لها في إسرائيل والعالم لأن من يقابلها في الجانب الفلسطيني أولا ثم العربي ثانيا لم يساهم في إنهاء دورها, وإذا كان رئيس وزراء إسرائيلي نادى بالفعل "بمرحلة ما بعد الصهيونية" (POST ZIONISM) منذ أكثر من عشر سنين, فإنه لم يجد من يقابله في بلاد العرب بالجدية المطلوبة, وحتى الرئيس عرفات الذي حمل غصن الزيتون في الأمم المتحدة وفاوض لإقامة الدولة الفلسطينية بالسر وبالعلن لم يستطع أن يدافع عن قراره هذا أمام غوغاء "حماس" ومزايدتها وعاد فحمل دولته الناشئة وزر الانتفاضات المتلاحقة وحروب الإرهاب المتكررة التي أعطت الصهيونية دفعا جديدا لدرجة كادت أن تفقد الأمل بحركة السلام وجدواها.
كل ذلك مرده إلى ان الحركات القومية في الجانب العربي لا زالت حية وناشطة لا بل مسيطرة في أكثر من مكان وأكثر من دولة, والأخطر من ذلك أن أنظمة هذه الدول لم تزل قادرة على السيطرة على مشاعر الناس وردات فعلهم رغم تجاوز الزمن لطروحاتها وتخطي الأحداث لأهدافها, وهي استطاعت أن تسهم في دعم وخلق تيارات أصولية متطرفة جعلتها تبدو أقل خطرا لا بل في بعض الأحيان حاجة لضبط هذه.
يوم قام الرئيس السادات بخطوته الجريئة وتخطى المعهود في تصرف الحكام العرب فذهب إلى عقر دار عدوه ليحقق السلام وينهي الحرب ومآسيها في الجانبين خاف "البعث" السوري, وهو حركة قومية من القرن الماضي أيضا, على مستقبله, ولم يخف العلويون فقط على كراسيهم كما يحب البعض أن يحلل, ولذا قامت "جبهة الصمود والتصدي" وقوامها "البعث" بشقيه السوري والعراقي وانضمت اليهما ليبيا وبالتأكيد بقايا القوميين العرب في لبنان ليسقطوا التوجه المصري الذي جعل صقور إسرائيل تقتلع المدن والبلدات التي زرعت خلال عشر سنوات في سيناء وتعيدها بكل ما فيها للسيادة المصرية, فما كان من سورية إلا أن دفعت بعرفات وثورته للتحرش بإسرائيل ودعوتها للدخول إلى لبنان في 1978 بعملية الليطاني.
ويوم تخلص عرفات من الوهم السوري اتفق مع الإسرائيليين على السلام متخطيا البندقية لاستعادة الحقوق مدعوما بالمجتمع الدولي بكامله, حركت سورية لعبتها الجديدة "حزب الله" بإطلاق الصواريخ على مدن إسرائيل ما جعلها تشن عملية "عناقيد الغضب" حيث ألغى دور لبنان الدولة وأعطي "حزب الله" دور الشريك في أول عملية تفاوض.
اللعبة بين العرب وإسرائيل تكبر يوما بعد يوم ويعتقد بعض المنظرين الستراتيجيين من خريجي مدارس "البعث" والحرس الثوري الإيراني ان المدنيين هم السلاح الجديد في الجانب العربي وأن خسارة الآلاف منهم خصوصاً من الأطفال والنساء هي بمثابة خسارة بعض قطع الأسلحة في المعركة لا بل قد يكون هؤلاء أقل قيمة من بعض الأسلحة ومن هنا فهم يزجون بهم كلما دعت الحاجة لعرض العضلات والدفع من أجل تحسين المواقع في التفاوض, وهم لا يخشون على الأبنية والدمار لأن الأخوة العرب والعالم الغربي لا بد سيسارعون إلى دفع الخوة المطلوبة للتعمير بعد تحريك الجماهير في الشوارع والساحات, وستتبارى الأقلام للدفاع عن "بطولات" هؤلاء الذين تحدو "آلة الدمار الصهيونية", وتعمل آلة الحقد من جديد في نفوس الناس حيث يستفيد منها "القومجيين" في الجانبين ويظهر بأن الصهيونيين الجدد في بلاد العرب والمسلمين هم أقوى بكثير في مجال الدعاية والإعلام على كسب الرهان, بينما المثقفون في هذا الجانب سريعي التأثر بالموجات القومية ومن هنا فإن القتل في كل مرة سوف يزيد والاعتماد على السلاح البشري هو الهدف الأسهل وعندما ستتوقف الصواريخ سيعاد استعمال الاحزمة المفخخة وتهتاج الشوارع فخرا وتزداد التعبئة في كل الأطراف.
من هنا نقول ان على العرب أولا وقف مسرحية البكاء والمتاجرة بدماء الفلسطينيين ومآسيهم والبدء بتحميل المسؤولية لأصحاب القرارات الخاطئة. وليبدأ الفلسطينيون عملية المحاسبة الذاتية, ولتنتفض الأمهات الثكلى وتطالب من وضعتهم بواسطة صناديق الاقتراع في مراكز المسؤولية, وكان يجب أن يحموا أبناء غزة ويؤمنوا سلامتهم, أن يقدموا استقالاتهم ويتنحوا. وليحاكم صاحب القرار الغاشم الذي أدى إلى كل هذا القتل. ولماذا لا نتعلم من الإسرائيليين الذين يعرفون أن يحاكموا قادتهم. وليعرف العالم أننا تجاوزنا مرحلة العواطف الفارغة فيبدأ باحترامنا واعتبارنا من الأمم التي تختار قادتها ولا يفرضون عليها فرضا وتعرف أن تحاسبهم عندما يخطئون.