وســــط… و عَ الريحــــة !
لم يكن الأمر في الأساس يستحق التفاتة أو حتى سطراً. فلقد كان واضحا ان الذي فتح أبواقه النارية ضد فكرة الوسطية، انما هو أشبه بمن "يسري" أي يمشي في الليل في مكان موحش، فيعمد الى السعال بقوة او الى رفع الصوت لاصطناع الرهبة وطرد الخوف، أو انه "على الريحة" لا أكثر ولا أقل.
لكن سرعان ما هجمت الجوقة إياها ابتداء من الذين يركبون "وابور الزلط" أي المحدلة الانتخابية الى الذين يقومون على حراسة حقوق المسيحيين في هذا البلد المتعوس وقد نصّبوا أنفسهم بطاركة في السياسة وكرادلة في الوطنية وقساوسة في "ضبّ الصينية"، يقطرون طهرا. ومن تحتهم تسيل أنهار النعمة وجداول الشفافية، وفوق رؤوسهم تلتمع نار السخط والنقمة مثل الغضب الساطعّ!
***
نعم، سرعان ما هجمت الجوقة مستحضرة شعارات الحرب الباردة ونظريات جون فوستر دالاس شخصيا حيث قيل ويقال في المسألة الانتخابية ما معناه: "من ليس معنا فهو ضدنا"، وذلك في سياق محاولة فظة لقطع الطريق على حرية اللبنانيين وعلى حقهم في الاختيار والتقرير.
وكذلك في سياق احتقار ضمني لهؤلاء الناس من خلال معاملتهم كأنهم من السذاجة والطيش والهامشية بمكان قد يدفعهم الى أن يخرجوا من "المتاريس السياسية" للمعارضة المستمرة في الاعتراض وهي في الحكم، الى فناء الحرية الرحب، وليس بالضرورة الى أحضان الاكثرية.
***
"من ليس معنا فهو ضدنا".
معكم في ماذا أيها الأكارم؟ أم أن البعض منكم يعتبر ان الناس باتوا في كفّه الآن مثل قبض الرمل المتسرب، وقد بانت الحقائق وتكشفت السياسات، أو مثل قبض الريح وقد راقبوكم منذ أربعة أعوام وأنتم تركبون رياح التأزيم والخنق وافتعال العقد وابتداع العراقيل، ودائما على قاعدة نحن حمَلَة أختام الجمهورية الفاضلة، دام فضلكم، وكأنه لم يسبق لكم ان بسطتم جناح حكمكم المستنير والمستطير على اللبنانيين الذين يرددون حتى الآن: اللهم نجّنا من التجارب.
***
ولعل المثير أو بالاحرى المستنكر لا بل المعيب أن أعداء "الوسطية" لا يلاحظون أنهم يقفون في موقع العداء للوفاق بين اللبنانيين فحسب، بل انهم يقفون ضد تفشّي زيت الوفاق الذي يضخه الرئيس ميشال سليمان فوق الصفحة اللبنانية، بما قد يساعد على الخروج من الانقسام والدخول في وفاق وطني حقيقي يرسي الوحدة والتضامن بين أبناء هذا البلد.
المثير ايضا أن جون فوستر دالاس زمانه يقوم هو وحلفاؤه بإحصاء أنفاس رئيس الجمهورية، ولا يترددون في القول ان ميشال سليمان رئيس وفاقي وصفته هذه تمنعه بالضرورة من أن يشكل عدوى وفاقية نيابية تنتشل لبنان من وهدة الانقسام التي يتخبط فيها. ولكأن رئيس الجمهورية جاء ليحتكر الوفاق في شخصه وصفته لا أن يبني سقفا وفاقيا يستظله اللبنانيون عبر كل المآسي التي دُفعوا اليها دفعا.
واذا كان رئيس الجمهورية يحرص على احترام موقعه الوفاقي فلا ينخرط في المعركة الانتخابية لا من قريب أو من بعيد، فان ذلك لا يعني اطلاقا أنه لا يحق للمرشحين أن ينطلقوا من الوسطية الوفاقية. ولا يعني ايضا انه لا يحق للمواطنين والمقترعين ان يعطوا أصواتهم للوسطية الوفاقية.
***
ما يقال في الهجوم على هذه الوسطية يشكل احتقارا صريحا لحرية المرشح والمقترع ويشكل تدخلا استباقيا سافرا وفظا في الانتخابات، ومن الضروري جمع كل ما يقال من تهويل ولا ترويع في هذا السياق في ملف يشكل إخبارا مدونا يمكن رفعه الى المجلس الدستوري في وقت من الاوقات.
ولكن الحرب المستعرة ضد الوسطية ليست أكثر من محاولات محمومة للتضليل والتعمية، باعتبار ان الذين ركّبوا هرما من الاتهامات والمزاعم ضد الاكثرية و14 آذار ومنعوهما من الحكم منذ أربعة أعوام، لن يكون في وسعهم تركيب هرم جديد من المزاعم ضد الوسطيين الوفاقيين.
وبالمناسبة لا حاجة بأحد للاغراق في البحث عن مضامين فكرية وسياسية للوسطية لتبريرها، لأن الامر في الأساس يتصل بجوهر حرية الانسان في لبنان، مرشحا او مقترعا، أو ذاهبا الى الروشة لإلقاء نفسه!