"البيئة المسيحية" شهدت تطورات جذرية والجنرال أقلية سياسية "لا ريب فيها"
"ثلاثية" بعبدا ـ بكركي ـ 14 آذار
على مسافة أربعة أشهر من الإنتخابات النيابية المقررة في 7 حزيران المقبل، يبدو واضحاً أن "البيئة المسيحية" هي أكثر بيئة في لبنان شهدت تطورات سياسية "جذرية" خلال المرحلة السابقة.
الإستطلاعات والفئات الثلاث
في العديد من الإستطلاعات التي أجريت في المناطق و"الأقضية المسيحية" تظهر ثلاث فئات. فئة المؤيدين والمناصرين لمسيحيي 14 آذار، فئة المؤيدين والمناصرين للجنرال ميشال عون وتياره، وفئة الذين "لم يقرروا" أو "لم يحسموا" خيارهم.
في معظم الإستطلاعات، بين 14 آذار وعون، تميل "الدفة" لمصلحة 14 آذار. أي أن ثمة تفوقاً لـ14 آذار في إطار "الثنائية" بينها وبين عون.
المستقلون: المطلّقون لعون
ولدى "التدقيق" يتبين أن فرصة 14 آذار أكبر من فرصة "التيار العوني" في كسب أكثرية أصوات الذين "لم يحسموا" حتى الآن وفي معظم الحالات. ولذلك سبب رئيسي هو أن الشطر الأكبر من الذين "لم يقرروا" يتشكل ممن ناصروا الجنرال وإنتخبوه في العام 2005 و"صُدموا" به وبمواقفه بعد ذلك. والبعض الآخر منهم من مناصري شخصيات تحالفت معه في الإنتخابات الماضية ولم تجد مكانها لاحقاً الى جانبه. ولذلك فعندما يُقال إن هناك فئة الذين "لم يقرروا" أو "لم يحسموا"، فواقع الأمر أن هؤلاء حسموا إنتقالهم من "معسكر عون" ولم يعودوا من ناخبيه.
وعند التمعّن أكثر، يظهر بوضوح أن "طلاق" هذه "الكتلة" مع "معسكر عون" إنما هو طلاق سياسي ـ وطني، أي مع خياراته، وأن هذه "الكتلة" منحازة الى الخطاب السياسي ـ الثقافي لـ14 آذار في "معظمه".. أي أنها 14 آذارية "الهوى" ومن "الرأي العام" الـ14 آذاري. هي كتلةٌ متعاطفة سياسياً ووطنياً مع 14 آذار رافضة لسياسة الجنرال، لكنها لا تختار الإنتماء الى تيار حزبي ـ سياسي معين من تيارات 14 آذار. إذاً، هي في الغالب مستقلة "تنظيمياً" لكنها منحازة سياسياً. هي منحازة سياسياً ولا ترغب في الإقتراع لمرشحين حزبيين أو لمرشحين تختارهم التيارات الحزبية. أي أن وصف هذه الكتلة بـ"الوسطية" ليس صحيحاً بالمطلق حتى لو كان فيها من يوزعون إنتقاداتهم بين فريقي 14 آذار و8 آذار. ذلك أن الإنتقادات لـ8آذار هي في "الجوهر"، في حين ان الإنتقادات لـ14 آذار هي في "التفاصيل".
"حزب الرئيس" تاريخياً واليوم
هنا، حصل في الشهور الماضية تطور كبير. صار للبنان رئيس للجمهورية. وصار للمسيحيين رئيس يجسد حضورهم ضمن معادلة الشراكة الوطنية. عاد الى الرئيس والرئاسة "وهجهما". ومع تلك "العودة"، فُتح من جديد باب تعدد الخيارات ـ أي الإختيارات هنا ـ في "البيئة المسيحية". وتاريخياً، قبل الوصاية السورية، كان الرئيس اللبناني المسيحي يستقطبُ تأييد جمهور مسيحي كبير، وكان "حزب الرئيس" بين المسيحيين قوياً، لأن "حزب" المسيحيين ـ في غالبهم ـ هو الدولة ورئيس الدولة.
في رحاب هذا التطور "المفصلي"، حصل أن شطراً من فئة الذين "لم يقرروا" ـ أي الذين لم يكونوا قد قرروا ـ وجد في رئيس الجمهورية ـ هذا الرئيس ـ ضالّته، وإعتبر أن المشروع السياسي هو التحلّق حول الرئيس والرئاسة. وعزّز ذلك كله أداء الرئيس خلال الشهور المنصرمة منذ توليه الرئاسة. فالرئيس ليس في 8 آذار أو معه. وهو في ما يعلنه ويمارسه "قريب" من أهداف الحركة الإستقلالية من دون أن يكون منتسباً إليها "عضوياً"، وفي وسعه أن يكون نقدياً حيالها في الوقت نفسه.
"حزب الرئيس" و14 آذار.. ميدان واحد
ثمّة "تميّز" بين الرئيس و14 آذار. هو الرئيس، وهي 14 آذار. لكن لا تناقض بينهما. وبـ"المناسبة" فهو أبعد عن 8 آذار لأن 8 آذار يتناقض ومشروع الدولة، في حين ترى 14 آذار نفسها قريبة من الرئيس لأنها تحمل مشروع الدولة.
لذلك لا عجب في أن يكون ميدان "حركة" مؤيّدي الرئيس ومؤيّدي مسيحيي 14 آذار هو نفسه. أي الجمهور الـ14 آذاري بشكل عام. يتوسع مسيحيو 14 آذار في الجمهور المسيحي. ويستقطب الرئيس من ضمنه القسم ـ مهما كان حجمه ـ من الجمهور الذي ناصر عون ثم صدم به ثم وجد في التحلّق حول الرئاسة مشروعاً سياسياً له. ولذلك، لا قلق لدى مسيحيي 14 آذار من وجود حزب للرئيس بين المسيحيين، وهم أنفسهم خلف رئيس الجمهورية ودعامة له سياسياً في الأصل.
في ضوء هذَين التطوّرَين: تفوّق 14 آذار في إطار "الثنائية" بينها وبين عون من جهة، وبروز "حزب الرئيس" وفقاً لكل المعاني المنوّه عنها آنفاً من جهة أخرى، يبدو جنرال الرابية "عالقاً علقة سخنة". ثمة في التوازن المسيحي خللٌ فادحٌ ضده. مسيحيو 14 آذار أكثرية مسيحية. لكن بروز حزب الرئيس يجعل عون أقلية مسيحية موصوفة.
البطريرك ومعنى الكتلة المرجّحة
غير أن "الصورة" لا تكتمل إلاّ بالتطرّق الى موقع بكركي وسيّدها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير من التطوّرين البارزين الآنفين.
ليس سراً أن البطريرك وقد لعب دوراً مركزياً في قيادة معركة الاستقلال وحركة الاستقلال، لم يُجامل "مسيحيي سوريا" يوماً وفي عزّ الوصاية السورية على لبنان، وهو إذ أعطى الجنرال في العام 2005 فرصةً استمرّت وقتاً ليثبت جدارته في زعامة المسيحيين، لا يغطّي موقع عون ولا خياراته السياسية. وفي هذا الإطار ينبغي أن يُقرأ تشجيع البطريرك لـ"كتلة وسطية" يرى أن من شأن قيامها إخراج البلد من الوضع الذي هو فيه و"ترجيح الكفّة" على قاعدة "حيثما تذهب تتسهّل الأمور".
عون: "علقة سخنة" و"ثلاثية"
لا شك أن رأس الكنيسة في تشجيعه قيام "كتلة وسطية" يبدو في صدد مقاربة "نظام عام" أو "انتظام عام" للبلد أكثر من مقاربته للوضع المسيحي "المخصوص". وصحيحٌ أن تأييده "الكتلة الوسطية" يصبّ في مجرى ما يدعو إليه دائماً من وجود لـ"كتلتين" أو "حزبين" وبينهما "وسط". وصحيحٌ أن في ذهنه دائماً فكرة "الإختلاط" أي أن يكون الانتظام السياسي في إطار تكتّلات مختلطة طائفياً. بيدَ أن تشجيعه "الكتلة الوسطية" يذهب في المباشر، داخل "البيئة المسيحية" الى تعزيز التنوّع، وإلى تأييد حق من يرون أنفسهم "حزب الرئيس" في أن ينوجدوا على الخارطة السياسية.
"العلقة السخنة" التي يبدو الجنرال عالقاً فيها تزداد "سخونة". هو أمام "ثلاثية" إذا جاز التعبير. "ثلاثية" الرئاسة والكنيسة و14 آذار. "ثلاثية" لا جدال في أنها ستُحيله الى أقلية سياسية "لا ريب فيها".