لكي يستعيد النائب مهابته !
يحفل المعجم السياسي اللبناني بغنى قلّ نظيره في التسميات والأوصاف والنعوت الهجائية المستقاة من تقاليد متراكمة قديمة وحديثة. حتى ان الجانب الهجائي الذي غالبا ما يمزج الانتقاد اللاذع بالشتائم السافرة اضحى من اليوميات المحببة والاكثر إمتاعا لجمهور فطر على تلقي هذا النوع من الرفاهية والترف والتفرج على المناظرات الحامية.
وحيال هذا الواقع اصيب معظم الوسط السياسي او ما يفترض ان يسمى اصطلاحا باللغة الراقية "النخبة السياسية"، بتبلّد خطير ازاء اي نعت حتى لو بلغ حد التحقير والتوضيع مدفوعا في ذلك الى الاستسلام لقواعد اللعبة السياسية التي يسهل معها ضرب المعايير النخبوية الحقيقية على قاعدة الوصول للوصول فقط، فوصم معظم هذه الطبقة بالوصولية الرخيصة اكثر من اي معيار آخر. وكان ان ابتلي مجلس النواب الحالي، في ظروف تشكيله العاصفة عقب زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري بظاهرة جارفة، فاستعادت انتخابات 2005 في جانب منها أسوأ ما حمله المعجم السياسي في مفرداته وهو "النواب العصي".
اختصرت تلك الانتخابات بظروفها المتفجرة لبنان السياسي بعدد لا يتجاوز الثمانية زعماء بين الغالبية والاقلية، كان كل منهم كفيلا بقوته الجارفة الشعبية، وقادراً على تجيير ملكاته الشخصية والزعاماتية الى مرشحيه، فقلّت الى حدود قصوى معايير الاختيار الانتخابي على قاعدة الصفات الفردية للمرشح لتتقدم على نحو ساحق معايير اختيار اللوائح العملاقة الفضفاضة.
كان لتلك الانتخابات ما يبررها بطبيعة الحال. لكن ذلك لم يسقط هذا الجانب السلبي في معادلة استجابة الناخبين على ضفتي المبارزات والاصطفافات للتسليم بواقع يسحق المرشح الفرد حتى لو كان منضويا في احد المعسكرين من ضمن كفاياته الفردية. بذلك صار النائب المكمل للعدد أسوأ ما يواجه النائب الباحث عن التميز حتى ضمن فريقه، وغلبت الكمية النوعية والرقم الكفاية، فظلم كثر، وإن لم يظلم كثر ايضا.
وقد أسلس كثر من النواب القياد لهذا المفهوم حين تفشى الترهل النيابي والتشريعي والسياسي الى اقصى حدوده مع ظروف تعطيلية للمجلس كانت جزءا اساسيا من ضرب مهابة النائب ودوره وفرادته. وزاد الطين بلة غياب المفهوم الاصلاحي الحقيقي غيابا مفجعا سواء في مسار غالبية اعتبرت ان الشعار السيادي الاستقلالي يغنيها عن الانصراف الى الشق الاصلاحي رغم انه لا يقل خطورة وأهمية عن مسارها الاصلي، كما في مسار معارضة تخلت عن وظيفتها الاصلاحية الحقيقية الملاصقة لأي معارضة تحت وطأة جنوحها الجارف الى خوضها الصراع على السلطة الى حد تعطيلها بالكامل.
في كلا المعسكرين سحق الصراع السياسي النائب الفرد بمعناه الاصلاحي وسط تحوّل هذا المفهوم لغة بائدة على ارض واقع الدولة والسياسة، او اكذوبة رائجة تستعمل في الهجائيات الكلامية والشتائم، فلم يعد اي كلام على الفساد وسواه يجد اي صدى خصوصا ان التجربة الحكومية بعد تسوية الدوحة اسقطت ما بقي من اوهام واقنعة حيال اي نهج اصلاحي محتمل.
يطل لبنان اليوم على استحضار الكثير من هذا الواقع واستعادته لان الكثير الكثير من عام 2005 لا يبدو انه تبدل. فما يساق من معادلات انتخابية لا يبدو مختلفا عن معايير التجربة السابقة. ولا يزال المعيار الحاسم، ولعله الاوحد حتى اشعار آخر، هو مدى قدرة الزعامات على العودة بالنواب العصي ما لم يعصف نبض اصلاحي في من لا يرتضي لنفسه هذه المهانة. فالانتماء الى معسكر لا يعني التذويب اذا كان للديموقراطية الحقة ان تستقيم