أنطونيو وأوكتافيو
رأى العالم في التعددية اللبنانية نوعاً من مقدمة الى صيغة بشرية. مجموعة من العائلات القديمة، تحوّلت مع الوقت كتلاً واحزاباً ومؤسسات علمية، تجارية، او وطنية. وقد حافظت كل مجموعة، ضمن بيئتها ومناخها وثقافتها، على ميزات وصفات وسلوك وطني معيّن. وكان امام هذه المجموعات المتنوعة حلاّن مطروحان في العالم: الحل الاميركي، اي الصهر الكامل في بوتقة واحدة، والحل الكندي، حيث تشجع الدولة، رسمياً وعلناً، حفظ الهويات وابقاء التراث وجعل التنوّع سبيلاً الى تمتين الوحدة وتطوير الولاء.
ومنذ قيام لبنان حاولت كل فئة ذات قوة مرحلية مرجّحة ان تصهر الآخرين في مرجلها. لذلك تنقلنا على الدوام من تصادم الى صدام. ومن دراكولا الى دراكولا. وكان العالم الخارجي يفجع: هل يمكن "سويسرا الشرق" ان تتحول في لحظة انفجار الى مثل هذه الغابة؟
ادعينا البحث عن التعايش، وفي قلوبنا تربّص وتحيّن للفرص. فكنا نرفض كل ما لدى الآخر: معتقده وعاداته وثقافته، ولا نتقبل حتى علومه ولا نجاحه. فهو الضدّ لا الرفيق، وفي مثل هذا الحقد والعمى المولود لا تستوي حياة ولا يقوم تعايش، مهما تكاذبت الاقنعة. وكان الخيط الواهي الذي يبقى معلّقاً فوق البلد هو خط العائلات التي وضعت عبر السنين خطوطاً وحدوداً لعلاقاتها. فقد تعادى كميل شمعون ورشيد كرامي طوال العمر، لكنهما التقيا في حكومة واحدة. وتحارب كمال جنبلاط وكميل شمعون معظم العمر السياسي، لكن شمعون هو الذي انقذ وليد جنبلاط من خطف السكرانين بالدم.
لم يكن سلوك العائلات، الوطني او الشخصي، سوياً باستمرار. لكنه كان يشكّل مرجعية سياسية واجتماعية في حالات السلم وفي حالات الالغاء. ولعل اهم واعمق شهادة في هذا الباب تلك التي سجلها الاستاذ محسن ابرهيم الذي قاد حملة 1975 ضد "النظام". اما الشيوعي القيادي الاستاذ كريم مروة، فصرف شجاعته، بعد مرحلة الحزب، في امتداح ما كان يستحق المديح من سلوك الخصوم، وفي نقد التجاوزات.
لقد اكتشف اللبنانيون انهم، في اليسار وفي اليمين، مجموعة عائلات. وحتى عندما يتوزعون يساراً ويميناً ووسطاً مثل شجرة آل تقي الدين. بل سرعان ما يتحوّل الزعيم الفرد "عائلة" هو ايضاً. فالجنرال ميشال عون الذي يقود، على الجانب المسيحي، عملية الغاء العائلات السياسية، تحوّل "عائلة" رغماً عنه، اذا صحّ التعبير. فإذا استبعدنا كاريزما الجنرال وتأثيره في الناس والولاء المطلق له، بصرف النظر عن اي موقع يكون فيه او ينقلب اليه او ينقلب عليه، لا يبقى الكثير للكثيرين من حوله. فالصفة الوحيدة تكاد تكون الانتماء الى الجنرال او الانتساب اليه. وما زال لبنان يسعى حتى اللحظة، بكامل تياراته وعشائره وفوانيسه، الى معرفة اسم النائب الذي فاز بمقعد بيار الجميل في المتن، ولماذا؟ لا لشيء، الا للتجديد له في الانتخابات المقبلة. فالتجربة مفيدة في هذه الحالات، بحيث يعرف الناخب، وان على باب الاقتراع، لمن منح قلبه وعقله ومصيره ذات حرب.
عدت الى هذا الواقع عندما شاهدت النائب وليد جنبلاط يلتقي النائب محمد رعد عند النائب طلال ارسلان. ففي اخطر الازمات التي مرّت بالبلد، ومن خلاله بالدروز، تحوّل الخصمان التاريخيان مرجعية تاريخية واحدة. ولا تنطبق على اي من الزعامتين صفة الاقطاع، ليس بسبب اشتراكية كمال جنبلاط، بل حتى في عزّ عصر نظيرة جنبلاط، كانت زعامة "الست نظيرة" قائمة على خدمة الدروز وحمايتهم ومحاولة ابقاء حيّزهم الوطني في بلد متغيّر النسب، ثابت الانساب.
استوقفت في جرود جبيل رجلاً سألته لمن سيقترع في الانتخابات المقبلة، فأجاب بلهجة ثقيلة كالصخر، ولكن صلبة كالصوان: "ايش؟ هوّي في غيرو". وقلت له: ولكن هل للعميد فرصة في النجاح؟ بماذا اجاب صاحب لهجة "الأيش"؟ قال، بكل رضى: "لقد سمّى ولديه بيار وريمون. اذا لم يفز هو في ايامي، يفوز ابناه في ايام ابنائي". محلولة ومحسومة.
عندما كنت شاباً، كان لدي همّ واحد. ان اشهد سقوط العائلات، وخصوصاً في منطقتي. وقد تحقق حلمي بعد عقود عندما اختار "حزب الله" السيد جورج نجم نائباً علينا، لمقعد ابرهيم عازار ومارون كنعان وفريد سرحال وفريد قوزما وجان عزيز. ولكن عبثاً بحثنا عن نائبنا الجديد، الا من لافتة على طريق جزين، لونها ازرق مثل النمرة، تشير الى مقر الاقامة الكريمة. وموقع المراجعة في حال الاقتضاء. وما اقتضى.
"العائلة" هنا ليست بمعنى التخلّف. العائلة هنا بمعنى الروابط الدائمة والمشاركة والتساوي والصدق. قال الرجل في جرود جبيل: "كيف ننسى ريمون اده؟ جاؤوا يوزعون علينا السلاح، فهرع الينا محذّراً: الذي يحمل السلاح إما سيقتُل وإما سيُقتل. نحن نريدكم احياء، وقبل ذلك نريدكم مسيحيين". ولكي يشدد على مدى ما هو مدين للعميد الاول قال فرحاً: "اكيد. وويش.
حافظت العائلات على وسطية لبنان. وعندما انحرفت عن الوسطية، كما في صبيانيات "الحلف الثلاثي"، هوى لبنان. وظل ريمون اده حتى موته يتلو فعل الندامة على انضمامه الى تكتل متهوّر، زعزع الميثاق، ومنح اعداءه فرصة الذهب. وفتح ابواب الحرب للذين كانوا يقفون خلفها.
تحدث هذه الهوّة الجهنمية دائماً عندما ينقسم الناس فريقين حادين يتجاذبان بعنف وسطية العقل والمنطق والبناء. ففي ساحات التعدد، وحدها الوسطية تجمع، بدل الاستسلام لحياة الشد. ولا يقوم وطن ضائع بين المد والجزر، ولا روية فيه ولا هدوء، ولا صوت عقل او صوت محبة.
لا جديد في الامر. لا اختراع ولا بدعة. في مسرحية "انطونيو وكليوباترة"، يغيب ليبيد، احد الثلاثة الكبار في روما، ولا يبقى سوى انطونيو واوكتافيو وجهاً لوجه، فيطلق اينوباربوس ذلك الهتاف التاريخ: "اذن، ايها العالم، لم يبق لك سوى زوج من الاشداق".
تطمئن الناس، وخصوصاً في مراحل الخوف الشديد، الى المراسي الهادئة. وتطمئن خصوصاً الى ذوي السيرة والتجربة. بهذا المعنى وحده يقبل مفهوم "العائلات"، اي العائلات العاملة والمسؤولة والتي شاركت في الاستقلال والعمران والازدهار وفي نشر العلم والثقافة، والحد من الهجرة، وتوسيع الافق الداخلي، وتحقق فرص العمل، ورفع شأن الديموقراطية والحرية، كما فعل آل نقاش وآل خباز في "الاوريان" وكما فعل آل تويني في "النهار" وآل فريحة وآل النصولي وآل مروة وآل الطيبي وآل عسيران وآل الصلح وآل عقل وسائر آل الشهداء.