رسائل أوباما إلى العرب
أظهرت الادارة الاميركية الجديدة، بما لا يقبل التشكيك، انها تضع قضايا الشرق الاوسط والعلاقة مع العالم الاسلامي بين أولوياتها. واتضح ايضاً ان الرئيس باراك اوباما يعتبر ان الاضطراب الذي اصاب السياسة الاميركية في هذا المجال يعود الى اخطاء ارتكبت واساليب فاشلة في المعالجة. ولذلك، عمد في الايام الاولى من ولايته الى الاكثار من الرسائل السياسية في اتجاه الشرق الاوسط والعالم الاسلامي. وأقوى هذه الرسائل تعيين مبعوث رئاسي الى المنطقة هو الديبلوماسي العتيق جورج ميتشل الذي يتمتع بصلاحيات واسعة في القرار وعلى اتصال مباشر بالرئيس ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وقيام هذا المبعوث فوراً بتنفيذ مهمته عبر جولته الحالية على المنطقة. وهو يحمل في جعبته توصية اوباما بأن قضية السلام «مهمة للمنطقة» وانها «مهمة بالنسبة اليه شخصيا»، وما يعنيه ذلك من التزام لإدارته، على المستويين السياسي والانساني.
وبين هذه الرسائل ايضاً، اختيار الرئيس الاميركي فضائية «العربية» من اجل التحدث مباشرة الى المشاهد، والحاكم ايضا، في العالم العربي. ليعلن ان استراتيجيته هي «الاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة»، ملغياً بذلك المقاربة الايديولوجية التي عاناها العرب من الادارة السابقة، وملقياً في الوقت نفسه تحدياً على العرب، او بعضهم على الاقل، للتخلي عن المقاربة الايديولوجية للصورة التقليدية للولايات المتحدة، من جهة. ومن جهة اخرى، يلقي على العرب، او بعضهم، تحديا لقدرتهم على صوغ مصالحهم في السلام في المنطقة وصوغ مصالحهم المشتركة مع الولايات المتحدة على نحو لا يظلون وحدهم الضحية ويعتبرون أنهم مستغَلون في هذه العلاقة.
ولم يفت الرئيس الاميركي ان يلاحظ ان جوهر العلاقة لا يتصل بالانتماء الديني، وتالياً لا يحكمها الاختلاف الايماني. وانما ما يجمع، كما قال اوباما لـ «العربية»، هو انه «يبقى للناس احلام وطموحات يسعون الى تحقيقها». اي يفترض ان توفير الفرص لجميع الناس لتحقيق احلامهم وطموحاتهم هو ما ينبغي ان تقوم به البلدان العربية والاسلامية. وفي تجربته الشخصية ما يؤكد ان توافر الظروف السياسية والاجتماعية يساعد على تحقيق اكثر الاحلام طموحا.
وإذ خص اوباما الجانب الثقافي والتعليمي بإشارة خاصة، فمن اجل التشديد على الاهمية القصوى لإعداد الأجيال المقبلة من اجل «ان تعيش حياتها في سلام»، وايضا ان تستطيع ان تحدد مصالحها الفعلية والموضوعية، وتسعى اليها بعيدا عن العنف والارهاب. وذلك من دون ان يلغي الرئيس الاميركي الحق «في الاختلاف مع الادارة (ادارته) حول الطريقة التي يرونها الامثل لتطور بلدانهم».
قد يكون العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، ونتائجه الكارثية على سكانه، وما يتصل بالنزاع العربي – الاسرئيلي، يثير الاهتمام الاكثر الحاحاً في واشنطن والمنطقة على السواء، لكن التفاتة اوباما الى مواصفات سياسية وثقافية في العالمين العربي والاسلامي لا تنفصل عن مفهوم السلام في الشرق الاوسط ولا عن فهم المصالح الذاتية والمشتركة مع الآخرين.
لم يوجه الرئيس الاميركي الجديد اي نقد مباشر للوضع الراهن للعرب والمسلمين، ولم يحدد ما هو مطلوب منهم. لأنه رغب في ان تكون رسالته اليهم مع وصول موفده الى المنطقة سلسة وغير مثيرة للحساسيات. لكنه لم يغفل، في اشارات مبطنة وديبلوماسية ان الناس، «بصرف النظر عن الايمان»، ينبغي ان «يتشاركوا في الطموحات والاحلام» والقدرة على تحقيقها، بما يجعل التمييز واضحا بين الارهاب وبين وجهة النظر التي تدافع عن المصالح الوطنية والانسانية، في العالمين العربي والاسلامي.