عودة الديبلوماسية الأميركية
عودة الديبلوماسية ووداع الايديولوجيا، هكذا يمكن وصف الانتقال من إدارة بوش الى إدارة باراك أوباما. لكن نسارع الى القول ان ذلك لا يعني بالضرورة حصول تحولات أساسية في السياسة الخارجية في الشرق الأوسط كما يتمنى البعض ويتطلع البعض الآخر. رغم ذلك وجه الرئيس الجديد رسائل ايجابية مهمة الى الشرق الأوسط، أولاها إغلاق معتقل غوانتانامو والذي كان يعتبر رمز الحرب على الإرهاب، ولكن أيضاً رمز عدم احترام القانون وأبسط قواعد الحقوق الإنسانية في تلك الحرب. وفي هذا الصدد اعتبر بعض المعلقين الأميركيين أن أوباما يمثل عصر 12 أيلول/سبتمبر أو عصر مختلف عن عصر 11 سبتمبر، وانه بالتالي يخرج عن السياق الذي خلقه 11 سبتمبر ويهدف الى بلورة مقاربة جديدة مختلفة عن مقاربة بوش في التعامل مع مسألة الإرهاب ومحاربته.
ثانية هذه الرسائل العربية والشرق أوسطية، ان الرئيس الجديد أجرى أول مقابلة تلفزيونية رسمية مع فضائية عربية متحدثاً عن إرادته في تغيير صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي وعن فهمه لخصوصيات كل منطقة والتعامل معها على أساس الاحترام المتبادل.
ثالثة هذه الرسائل توجه المبعوث الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط، جورج ميتشل، الى المنطقة بعد أسبوع من تولي أوباما السلطة.
سرعة التحرك في رحلة استطلاع واستكشاف بعد أن أجرى الرئيس الجديد أولى اتصالاته الدولية مع المسؤولين في الدول المنخرطة مباشرة في الصراع العربي الإسرائيلي، دليل أيضاً على عودة الديبلوماسية الأميركية بشكل قوي ورفيع المستوى الى هذا الملف. وكان أوباما واضحاً حين قال اننا لا نبحث عن "عملية التقاط صور" بل عن العودة الى المفاوضات المباشرة بإعتبار ان العملية الأولى كانت السمة الرئيسية في سياسة الرئيس السابق في ديبلوماسية عملية الصراع العربي الإسرائيلي.
بإختصار هنالك اتجاه لانخراط ناشط ومبكر ومختلف في قضايا المنطقة الأساسية، وأمام الرئيس الجديد ثلاثة ملفات لا تحتمل التأجيل.
الملف الفلسطيني وهنا يبرز التحدي الأساسي في كيفية الإسهام الفاعل في إطفاء الحريق المشتعل في غزة وربط إنجاح هذه العملية بإعادة إطلاق مفاوضات السلام. وتهدف زيارة ميتشل الى كل من فلسطين وإسرائيل والأردن ومصر والسعودية، وحديث الرئيس عن النقاط الإيجابية في مبادرة السلام العربية، وزيارة ميتشل أيضاً لتركيا اللاعب الأساسي الجديد في الملف الفلسطيني، ثم زيارته في طريق عودته الى واشنطن للحليفين التقليديين فرنسا وبريطانيا الناشطين بشكل خاص في أزمة غزة لتدل على قرار التعامل المباشر مع هذا الحريق، بإعتبار ان عدم النجاح في ذلك قد يحرق سمعة الإدارة الجديدة ومصداقيتها في الانخراط الناشط في الملف الفلسطيني الإسرائيلي بشكل خاص، والعربي الإسرائيلي بشكل عام. لكن هناك عقبات أساسية تبطئ، ولا شك، وتعقد أيضاً هذا الدور في مرحلته المبكرة، منها الانتخابات التشريعية الإسرائيلية حيث من المرجح ألا تكون هناك حكومة قبل نهاية شهر آذار/مارس القادم وتحدي كيفية الاتصال غير المباشر مع حماس عبر الكثير من الأصدقاء المشتركين، واستبدال سياسة محاصرتها لإخراجها من اللعبة، وهي سياسة عقيمة خاصة بعد عدوان غزة، بسياسة تقوم على تشجيع المصالحة الوطنية الفلسطينية ودعمها.
وهناك صعوبات تتعلق بطبيعة العلاقات العربية العربية الراهنة وكيفية تحييد تأثيرها السلبي المباشر على جهود إطفاء الحريق وإطلاق قطار التسوية في الملف الفلسطيني.
لكن يبقى التحدي الأساسي في هذا الشأن أيضاً هو بلورة الإدارة الجديدة لرؤيتها للسلام وللعناصر الرئيسية أو الثوابت التي يفترض ان تشكل قواعد السلام الشامل والدائم والعادل في المنطقة.
فهل ستفكر واشنطن مثلاً في "مدريد" جديدة أو تحديداً في مقاربة شاملة دولية وإقليمية تقوم على المرجعيات المعروفة وتشكل إطاراً مشجعاً ودافعاً ومواكباً وجامعاً لا يقوم على الإقصاء لإطلاق قطار المفاوضات لاحقاً، والتحضير لذلك في ظل التعقيدات القديمة والجديدة بغية عدم السماح بحدوث حالة انهيار كامل والعودة الى المربع الاول.
الملف الثاني يتعلق بإيران ورغبة الإدارة الجديدة في ديبلوماسية ناشطة ومباشرة مع طهران لكن الانخراط الأميركي في هذا المجال قد يكون بطيئاً ومؤجلاً بعض الشيء، مع توجيه رسائل إيجابية في هذا المجال، الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في شهر حزيران/يونيو القادم في طهران. الهدف من ذلك هو إدماج إيران في منظومة صياغة الحلول والتسويات في المنطقة كبديل من حالة الصدام الأميركي الإيراني التي طبعت العلاقات بين الدولتين في السنوات الأخيرة، وقد ظهر التأثير السلبي لذلك الصدام على مجمل الملفات الساخنة أو المشتعلة في المنطقة. وتبدو هناك رغبة أميركية في اللجوء الى مقاربة شاملة مع طهران تدرج المشكلة النووية رغم أولوياتها الأميركية ضمن المشاكل الاخرى في المنطقة. الحاجة للانفتاح على طهران تدفع اليها أيضاً بشكل خاص السياسة الأميركية الجديدة الراغبة في الخروج العسكري من العراق. لكن في واشنطن رأيين في ما يتعلق بسرعة الانخراط مع إيران الاول يدعو الى توجيه رسائل صغيرة كما أشرنا بتلك الرغبة تحت عنوان الوعد بالتغيير لتشجيع التغيير الرئاسي في طهران لمصلحة ما يسميه البعض بالمحافظين البراغماتيين، والرأي الآخر يقول بالانفتاح المباشر عبر توجيه رسائل واضحة بشأنه قبل الانتخابات الرئاسية بسبب تركيبة النظام الإيراني وموقع القرار الفعلي فيه الذي لا يتأثر بالانتخابات الرئاسية.
خلاصة الأمر ان هناك مدرسة تقول بالانخراط المعجل، وأخرى بالانخراط المؤجل مع طهران، لكن دون شك ان السياسة الجديدة ستواجه الكثير من التحديات وستفتح الباب أمام الكثير من التغييرات.
الملف الثالث يتعلق بأفغانستان التي تبقى أولوية مطلقة للرئيس الجديد في محاربة الإرهاب ولو مع اعتماد مقاربة مختلفة تتسم بالمرونة والشمولية من حيث التعاطي مع الأطراف المؤثرة، ومن حيث العناصر التي يجب التركيز عليها في تلك المقاربة والاستفادة من أخطاء سنوات إدارة بوش. نائب الرئيس جو بايدن حذر من ان هناك مخاطر يجب تحملها قبل انتظار نتائج جديدة مختلفة في أفغانستان، ويحذر البعض من ان عدم إحداث تغيير سريع في السياسة الأفغانية لواشنطن أو حدوث خلل في ذلك التغيير قد يجعل من أفغانستان عراق أوباما فيغرق فيها وتقضي على سمعته كما تغرقه في رمال متحركة جديدة في الشرق الأوسط.
ريتشارد هولبروك المبعوث الأميركي لهذا الملف وصاحب الخبرة الكبيرة في ملف البلقان في الماضي ونجاحه في هندسة اتفاقيات دايتون وتشديد الرئيس الأميركي على العناصر غير العسكرية في تسوية الأزمة الأفغانية التي يرتبط بها أيضاً الوضع الباكستاني، كلها عناصر تهيئ لنجاح صار حصوله أكثر احتمالاً. لكن ذلك أيضاً يتطلب سياسة أميركية جديدة تجاه الشركاء الأوروبيين الأطلسيين تحديداً، تطمينا لهم بغية تأمين مشاركة عسكرية أكبر من قبلهم وهم الذين ينسحبون عسكرياً الواحد تلو الآخر من الرمال المتحركة الأفغانية.
هذه هي التحديات الثلاثة الأساسية في الشرق الأوسط الواسع والتي تؤثر في كافة ملفات المنطقة أمام الرئيس الأميركي الجديد. لكن يبقى التحدي الأساسي هو تلافي التسرع دون السقوط في منطق التباطؤ وانتظار تطور الأحداث الذي قد يزيد الامور تعقيدا. فالمقاربة الشاملة في المنطقة التي تأخذ في الحسبان خصوصيات كل أزمة من جهة وتتعامل معها على هذا الأساس وليس بصفتها مجرد ورقة في صراعات إستراتيجية إقليمية مع خصوم واشنطن وإدراك تأثير ودور مختلف الأطراف الفاعلة في المنطقة، وبالتالي التعامل معها على هذا الأساس ضمن ديبلوماسية ناشطة من جهة اخرى، ذلك هو السبيل لتغيير الصورة الأميركية في المنطقة بل لإحداث التغيير المطلوب في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ولو في حدوده المقبولة وفي الشرق الأوسط ككل.