هل تكون الانتخابات المقبلة معركة أشخاص أم معركة مبادئ ؟
أصوات المسيحيين المتردّدين أو الحياديين ترجّح الكفّة
إذا كان من الطبيعي ان تكون نتائج الانتخابات النيابية المقبلة محسومة شيعياً وشبه محسومة سنياً ودرزياً، فمن الطبيعي ألا تكون محسومة مسيحياً نظرا الى تعدد الاحزاب والتيارات من داخل المذهب الواحد. الا ان التنافس الشديد بين لوائح قوى 8 آذار ولوائح قوى 14 آذار هو على اصوات المسيحيين المتردّدين او المستقلين والحياديين. هذه الاصوات التي صبت بغالبيتها في انتخابات 2005 مع لوائح العماد ميشال عون في كل الدوائر لا سيما تلك التي فيها ثقل مسيحي، فسجلت نتائج الفرز فوزا بنسبة 75 في المئة من اصوات المقترعين المسيحيين.
لكن هذه النسبية بحسب استطلاعات الرأي تدنت الى خمسين في المئة تقريبا لان المسيحيين الذين صوتوا للوائح العماد ميشال عون في الانتخابات الماضية مأخوذين بشعاراته الوطنية التي انقلب عليها بعد الانتخابات واختار طريق الشرق بعدما كان قد اختار طريق الغرب ومشى بالمسيحيين عكس التيار وعكس مزاجهم ومعتقداتهم وتحالفاتهم، فكان لا بد من ان يلتزم الناخبون المسيحيون، بعدما صدمتهم سياسة العماد عون المتقلبة ان لم تكن الانقلابية، موقف الحياد في المعركة الانتخابية المقبلة والامتناع عن الاقتراع لانهم وان هم ابتعدوا عن العماد عون الذي خيب آمالهم، فانهم لم يقتربوا بغالبيتهم لا من "القوات اللبنانية" ولا من حزب الكتائب او احزاب اخرى.
وبما ان غالبية اصوات هؤلاء المسيحيين قد تؤيد مرشحين وسطيين ومستقلين للخروج من الاصطفافات الحزبية الحادة التي جعلت البلاد تشهد ازمات استعصى حلها على السلطة خلال السنوات الثلاث الاخيرة، فان هذا ما اثار هواجس العماد عون، فصب جام غضبه على كل مرشح مستقل او وسطي لان هذه الاصوات التي كانت له في انتخابات 2005 قد ابتعدت عنه وقد لا تصوت بغالبيتها للوائح 8 آذار ولا للوائح 14 آذار بل قد تصوت للوائح وجوه جديدة مستقلة او وسطية او ليست مع اي من هذه القوى. ومن الطبيعي ان تقف الكتلة النيابية التي تتألف من الفائزين المستقلين حيث يقف رئيس الجمهورية اي مع مصلحة لبنان ومع قيام الدولة القوية والجيش القوي والسلاح الشرعي الواحد، ومن الطبيعي ايضا ان تقف معها كتلة 14 آذار لان لكتلة 8 آذار مواقف مختلفة اذ ترى في بقاء سلاح "حزب الله" والمقاومة السبيل الاجدى لتحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية المحتلة، وان الجيش غير قادر وحده على تحقيق هذا التحرير. فاذا رأت كتلة العماد عون ما تراه كتلة المستقلين وتاليا كتلة 14 آذار، فلا يعود عندئذ خلاف ولا سبب لمخاوفه وهواجسه، ويصبح رئيس الجمهورية هو الجامع والحاكم وليس المفرق والمحكوم.
اما اذا وقف مع الخط السياسي لقوى 8 آذار فسوف يجد نفسه في مواجهة الاكثرية التي تتألف من كتلة 14 آذار وكتلة المستقلين.
ويأخذ العماد عون على من يعتبرون انفسهم مستقلين او وسطيين، انهم في الواقع جزء من قوى 14 آذار، وقد اخذوا صفة الاستقلالية لكسب اصوات المسيحيين المتردّدين والحياديين في الانتخابات المقبلة، وهي اصوات كانت بغالبيتها له في الانتخابات الماضية ثم ابتعدت عنه بعدما ابتعد هو عن شعاراته الوطنية التي رفعها في انتخابات 2005 واختار ان يكون مع المحور السوري – الايراني ضد اي محور آخر.
واذا كان العماد عون يعتمد على اصوات الشيعة في منطقة جبيل وفي منطقة بعبدا وفي منطقة جزين لترجح كفة الفوز للوائحه، فان لوائح قوى 14 آذار تعتمد على اقبال المسيحيين اقبالا شديدا على صناديق الاقتراع لا سيما من هم في الخارج وسيجري تنظيم نقلهم الى لبنان، فضلا عن انتقال المسيحيين الذين كانوا مؤيدين للعماد عون في الانتخابات الماضية الى معسكر تأييد المرشحين المستقلين والوسطيين، وقد يضطر العماد عون الى التخلي عن المرشحين الحزبيين وابدالهم بمرشحين آخرين اقوى منهم شعبيا. اما اذا تمسك بالمرشحين الحزبيين فيما قوى 14 آذار لا تتمسك في تأليف لوائحها الا بالمرشح القوي مستقلا كان او غير مستقل، فان العماد عون سوف يخسر الشعبية التي كان يتباهى بها والتي قامت على شعارات وطنية ظن مؤيدوها ان لا غش فيها، وبات الصوت المسيحي هو الذي يقرر مصير لبنان نظاما وكيانا وهوية، وهذا الصوت لا يمكن ان يكون مع محور يهدد المصير والنظام والهوية، ويمسخ وجه النظام الديموقراطي ليقيم مكانه نظاما شموليا يختار هو من يريد من المرشحين للرئاسة والنيابة ويستبعد من يريد منهم وفق معايير هذا النظام.
ويتساءل العماد عون من جهة اخرى كيف ينتقل المرشحون بسرعة، وعلى ابواب الانتخابات، من قوى 14 آذار الى صفوف المستقلين والوسطيين، وهو يعتبر ذلك بمثابة غش للناخب. لكن العماد عون ينسى ان المستقل حتى لو كان داخل كتلة او حزب له حق الانسحاب منها والاستقالة منها اذا تعارضت مواقفه ومواقف الكتلة والحزب، ففي "تكتل التغيير والاصلاح" نواب لا ينتمون الى حزب "التيار الوطني الحر" كي يلتزموا قراراته بل ينتمون الى تكتل من حقهم الانسحاب منه ساعة يشاؤون اذا صار خلاف على المواقف السياسية. وفي كتلة الرئيس بري نواب ينتمون الى هذه الكتلة وليس الى حركة "امل"، كما ان في قوى 14 آذار نواباً مستقلين لا ينتمون الى احزاب ومن حقهم الانسحاب منها متى يشاؤون لينضموا الى كتلة اخرى، وهو ما فعله النائب ميشال المر عندما اختلفت مواقفه في الانتخابات الرئاسية مع موقف "تكتل التغيير والاصلاح". وفي الماضي انسحب نواب من "الكتلة الوطنية" قبل الانتخابات وخاضوا المعركة على لوائح "الشمعونيين". وكان في لوائح الشهابيين مرشحون مستقلون امثال فؤاد بطرس وفؤاد نفاع وتقي الدين الصلح، كما ان في كتلة الرئيس بري مستقلون ايضا وغير حزبيين امثال سمير عازار وبيار سرحال، وفي "اللقاء الديموقراطي" مرشحون مستقلون امثال فؤاد السعد ونعمه طعمه وهنري حلو، ولا شيء يمنعن نائبا او مرشحا في اي كتلة ان ينسحب منها ويخوض المعركة في لائحة ائتلافية تضم مرشحين من 8 او من 14 آذار او من سواهم، وفي "تيار المستقبل" من هم اصدقاء له مثل الوزير تمام سلام الذي يصنف من المستقلين.
والسؤال المهم هو: هل تجرى الانتخابات النيابية المقبلة على اساس اشخاص ام على اساس مبادئ كما خيضت الانتخابات في الماضي بين مرشحي الحلف الثلاثي ومرشحي "النهج"، ففاز الحلف لانه كان يرفع شعار الدفاع عن لبنان السيد الحر المستقل في وجه لوائح اتهم المرشحون فيها بانهم يدينون بالولاء للناصرية، فكانت انتخابات مبادئ لا انتخابات اشخاص بدليل ان المرشحين البارزين في كسروان سقطوا امام مرشحين اقل منهم شعبية، لان المبادئ هي التي انتصرت يومها. فهل يتكرر في الانتخابات المقبلة ما حصل في تلك الانتخابات وعندئذ يكون خيار الناخبين بين من يريد لبنان في هذا الخط السياسي او ذاك الخط؟