التكتل الوسطي بين التعادلية والتعددية
عندما كانت الوصاية تزرع "ودائعها" الذهبية في اللوائح الانتخابية (فرضاً بالطبع)، وتزرع وزارءها المخبرين في الحكومات، لم يكن بعض رجال 8 آذار (الحاليون) وأبطالها، يُبدون أي اعتراض، أو أي ريبة (وهل كانوا يتجرأون) على هذه الودائع التي "ودّعت هواها" بعد تغير الأوضاع وانسحاب الجيش السوري. على العكس، كان كل من حلفاء الوصاية (بصيغة المثنى لا المؤنث وربما غداً بالجمع لا بالطرح)، يسعون وبالوسائل الشتى "الشريفة"، والوطنية، والعروبية… والمخابراتية ليكون لهم حصة (لقاء أثمان طبعاً) في هذه الودائع التي كان لها أن تكون (بأمرة الوصاية طبعاً) بتصرف القرار الخارجي… وبتصرف الرئيس إميل لحود المؤتمن "بالقسم" على احترام استقلال لبنان وسيادته وحدوده… وقراره المستقل (برافو إميل!). كانت الودائع آنئذ بمثابة ألغام أو أبواق أو أصداء لمن استودعها بحمده تعالى وبحمد سلطة الوصاية ونظامها وأجهزتها. فهي كانت أحياناً الرسول المؤتمن، والصوت الجهوري، للأجهزة ولرئيس الجمهورية، وسواه من "أشباه" الجمهورية ـ الرهينة.
لا نذكر أن أحداً كان له أن يعترض ولو بأشارة، من فمه، أو "مناخيرو" أو اذنيه… فالوديعة هي الوديعة.. واميل لحود "وديعة" الودائع في احضان الودائع، وهي في أحضانه، والجميع في احضان… المخابرات!
اليوم "يسحنفر"بعض "المستودَعين" الجدد لنظام الوصاية (بالمثنى أي باضافة بلاد فارس) وتقوم قيامتهم، اعتراضاً واستنكاراً "للوسطَية" او لكتلة وسطية تقف بين 8 آذار و12 آذار… باعتبار ان هذه الكتلة النيابية ستكون (بحسب رأيهم وهل عندهم رأي) من حصة الرئيس سليمان بعد انتخابها أو ستأخذ (بحسب حنجرة ميشال عون اللعلاعة) من درب هذا الأخير.. بعد انهيار قواعده في كل المناطق المسيحية" .. بحيث يسعى هو نفسه الى توسل "ودائع" له على لوائح 8 آذار وفي جبيل وفي بعلبك ـ الهرمل.. وفي جزين، ليفوزوا بأصوات "الشيعة" وهو الذي كان يتهم بعض نواب 14 آذار بأنهم فازوا بأصوات المسلمين (السنة) وليس بأصوات… المسيحيين. وهو في ذلك يستجدي "حزب الله" و"أمل" و"السوريين" ان يحسبوا حسابه في بعض "الودائع" (وهو شخصياً تحول وديعة) لينفخوه بعدما "نَفَّس" ويجمعوه بعدما تبخر (كتبنا قبل سنة مقالة بعنوان "جنرال يتبخر"). و"يُصدّروه" وكأنه هو الذي يمثل "المسيحيين" بغية استخدامه لاحقاً ليغطي كل ممارسات اهل الوصايتين وامتداداتهما هنا، من تخريب للدولة ومن تبعية ومن تهديد وترهيب وشغب ومن ابقاء الاسلحة غير الشرعية بأيدٍ غير شرعية لا سيما السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وترسيم الحدود.. مع الشقيقة، والمحكمة والمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية.
بمعنى آخر "تكريس:" تبعية مطلقة للوصايتين: "اطلبوا وتمنوا وأنا جاهز" . و"أنا جاهز" برهنها عون كل امتداد السنوات الماضية، حتى المزايدة على اهل القرار الاصلييين!
فالجنرال الذي صار "وديعة" الودائع… غاضب جداً من هذه "الكتلة الوسطية" ويعتبرها بلا لون ولا طعم (وهو اللون والطعم والبرتقال والخس والأورانج.. والشنكليش) وهي "مؤامرة عليه".. اذاّ فكرياً (وعون مفكر كبير) يفلسف هذه الوسطية بأنها بلا جدوى، وسياسياً (وهو استراتيجي مشهود له بذهنه الاستراتيجي) انها موجهة ضده، وانتخابياً (وهو بات ربع ناخب بالمفهوم الشعبي) يعتبر انها تأخذ من دربه و"سيادياًً" يعتبر انها ستكون من حصة رئيس الجمهورية ميشال سليمان.
اذاً يعتبر 8 آذار ان هذه الكتلة الانتخابية سيصب نوابها اذا فازوا عند الرئيس لترجيح الكفة بين الكتلتين الرئيستين الأقلية والأكثرية. بمعنى آخر يأخذون على هذه الوسطية بانها قناع أو "وديعة" للرئيس سليمان (الله يحميك يا فخامة الرئيس من المجرمين والجواسيس!) وهذه كبيرة. فهم تعودوا ان يكون الرئيس هو الوديعة في صناديق الوصاية، لا ان يكون لدى الرئيس "ودائع" او شريحة نيابية تقف الى جانبه.
والطريف ان هؤلاء المعترضين (وجلهم ودائع ثمينة) وخصوصاً الجنرال عون يتعامل مع هذه "الفئة" وكأنها ظاهرة جديدة في العالم. وهو بثقافته السياسية العميقة (عَمّقها في باريس: وقيل ان كان يقرأ كل يوم كتاباً سياسياً وهذا يسرّنا) يجد انها غير معقولة، او "بدعة" في حال ان الوسطية جزء اساسي من التبعية السياسية وكذلك الفكرية والاجتماعية وحتى الفلسفية. ويعتبر بعض 8 آذار ومنهم "حَسوُّّن الرابية" ان الوسطية لا يمكن ان تحمل لا موقفاً خاصاً ولا فكراً خاصاً ولا نكهة خاصة، فالبين بين غير موجود! ولكن ليتذكر الجنرال المتبخر بلا بخار.. كم من الأحزاب الوسطية فازت في الانتخابات في أوروبا.. وغير أوروبا، اي حيث هناك انتخابات، وحرية انتخابات ومجتمع مدني وسياسي. فالوسطية هي جزء من التنوع وفي كل المستويات وهي بمعنى من المعاني ايجاد توازن بين صراع القوتين الاساسيتين او الكتلتين الاساسيتين لتكون احياناً بمثابة تعديل هذه الصراعات او لجم جموحها. ويعني ذلك ان الوسطية (وخير الأمور الوسط) قد تكون من مكونات فكرية وثقافية جديدة، ويمكن، مع تراكمها ان تؤسس لتعميق تعددية في المجتمع او في السياسة.
ونعني ذلك ان المنحى الوسطي المولود ليس جديداً… بل هو يقدم الممارسات الحزبية والسياسية والفكرية والأدبية مثله مثل الظواهر الأخرى الراديكالية أو المتطرفة… او المتواجهة وهذا لا يعني ان "الوسط" لا يعني التصادم (بالمفهوم الثقافي والايديولوجي..) بل على العكس: فكونه ذا اُسس ومبادئ وعقائد وممارسات وكأن وجوده احياناً فعل اصطدام او تواجه أو تقابل مع القوى الأخرى.
وعلى سبيل المثال هناك وسطية ما بين ماركسية متشددة وبين ماركسية معتدلة (حتى الليبرالية اليوم) وهناك وسطية بين اشتراكية راديكالية ضد الليبرالية والرأسمالية وسياسة السوق.. وبين اشتراكية باتت تطرح جدياً تَطعيمها بفكر ليبرالي ورأسمالية ما.. وهذا ما نشهده اليوم مثلاًُ في فرنسا من خلال التباين القائم في الحزب الاشتراكي بين مؤيدين لاشتراكية لارأسمالية وغير مرتبطة بالسوق وبالاقتصاد الحر.. واخرى مؤيدة لكل ذلك: والصراع والجدال لم يحسما حتى الآن.
لا نريد هنا ان نحمّل الأمور اكثر مما تتحمل، ولا الكتلة الوسطية اكثر مما تتحمل ولكننا نعتقد اننا نقصد الاحتمالات التي يمكن أن تتمخض عنها هذه الوسطية، وهي احتمالات مرهونة بالتحولات السياسية وغير السياسية.
لكن، وفي مطلق الأحوال يمكن اعتبار هذه الكتلة الانتخابية الوليدة جزءاً من الديموقراطية ودليلاً على امكانية التنوع والاختبار وقدرة على التكيف مع الأوضاع بحس سلمي وديموقراطي. فالأنظمة الدكتاتورية مثلاً والشمولية ليس فيها لا معارضة ولا اقلية ولا اكثرية ولا انتخابات ولا "جماهير مستقلة ولا تنوع ولا وسط ولا غير وسط.. فهذه كلها تختزلها الطبقة الحاكمة المستبدة او "القائد البطل" او "الأخ الأكبر".. وعند القائد البطل لا جمهور ولا انتخابات ولا معارضة ولا حرية ولا ديموقراطية ولا تنوع.. ولا وسط: فهو البطل والجمهور.. وكل شيء في خدمته: فهو الذي ينتخب الانتخابات، وهو الذي يملأ الصناديق وهو الذي ينتخب الشعب (ليس الشعب هو الذي ينتخبه) وهو الذي لا ينتخبه الشعب وهو الذي يضع ارقام فوزه الساحق (99,99 في المئة) وهو يزيدها احياناً الى 100/100 (تذكروا صدام حسين)..
والطريف ان بعض "الاقلية" الآذارية عندنا تتصرف في نظامنا الديموقراطي (نسبياً بالطبع) بعقل توتاليتاري : وتلعب لعبة "التنوع" بذهنية احادية وتمارس السياسة بلغة غير سياسية ويتصرف بعض قادتها بروحية "القائد الأوحد" المعصوم المستعصى. الفوق النقد، والفوق الجميع والمقدس (اعوذ بالله).. وهذه هي المفارقة عندنا: ان بعض ذوي العقول الاستبدادية يستغلون "الديموقراطية" لضربها وحرية التعبير لقمع التعبير وحرية الممارسة لترهيب الممارسة وكأنم بذلك يتسلقون "سلالم" الديموقراطية ليحرقوها بعدهم: انه المنطق الانقلابي على الطريقة الاوغاندية او الصومالية او "العربية" (اقصد بعض الأنظمة العربية) او حتى النازية (هتلر استغل الديموقراطية الالمانية لينقلب عليها بنظام توتاليتاري دكتاتوري احادي وهكذا فعل موسوليني.. وبينوشي!).
ولهذا نقول ان من يسمون انفسهم معارضة عندنا (وهم في الحكومة وعلى رأس مجلس النواب: تأملوا) معظمهم لا يريد لا ديموقراطية ولا غير ديموقراطية. لا دولة ولا غير دولة (دويلات واقطاعات ومزارع) ولا سلطة مركزية ولا دستور ولا طائف ولا دوحة. يتظاهرون بالحرص على هذه "الأمور" لكنهم ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض عليها. فالديموقراطية والحرية والتنوع وحرية التعبير تعني كلها وجود دولة ومؤسسات تحميها وهم يعرفون ان الدولة "عدوهم" الأول. وتالياً وجود رئيس على رأس الدولة يشكل بنظرهم "اعتداء" عليهم ووجود حكومة "ديموقراطية" انتقاصاً من مشروعهم الانقلابي واختلاط الأوراق وقيام كتل وسطية أو غير وسطية يخفف كثيراً من الشروخ التقسيمية والطائفية والمذهبية التي يعمقونها خدمة لاربابهم في الخارج وصولاً الى اسرائيل في الخارج الذين لا يمكن ان "يخترقوا" الواقع الا عبر هذه التناقضات الوهمية أو غير الوهمية. اكثر: ان التنوع في المجال المدني: من كتلة رئيسية واخرى رئيسية وبينهما وسط يعزز حضور المجتمع المدني المتعدد، ويرسخ مناحي السلم الأهلي ويقوي المشاركة الديموقراطية في السلطة (عبر الديموقراطية المباشرة) ويحول دون استبداد فئة بقوة السلاح او الترهيب او الابتزاز… مما يؤدي حتماً الى مزيد من تأكيد السيادة والاستقلال وحرية القرار: وهذه "كلها" مَقاتِلُ بالنسبة الى 8 آذار التي رفضت ان تجمع بين التحرير (تحرير الجنوب من العدوان الاسرائيلي) والاستقلال بحيث وضعت مفهوم "التحرير" و"الاستقلال" كمعطيين متلاغيين: وهنا عليك ان تعترف بأن من حرر الجنوب مثلاً عظيم وجدير بالتقدير (وهذا ما فعلناه) وان من حقق الاستقلال هو عميل، هذا الشرخ يعني أولاً وأخيراً رفض السيادة وتالياً ابقاء البلد "رهينة" أو ورقة او ساحة لنفوذ الآخرين: فكيف يستقيم ان يصب التحرر من الاحتلال في احتلال اخر هذه هي المفارقة!
ونظن ان مجمل الممارسات التي تؤديها 8 آذار تصب في اتجاه ابقاء البلد بلدين، والدولة دولتين والصراع صراعين لمنع وقوف البلد على قدميه. يريدون شرخين لا يلتئمان (كما فعل زملاؤهم في غزة: قسموا التقسيم لمصلحة اسرائيل ولتدمير فكرة الدولة الفلسطينية الواحدة) بينهما رئيس وحكومة ومجلس نواب لتصريف الأعمال او لتقطيع الوقت انتظاراً لانقلاب جديد! وفي هذا الاطار الشارخ والمشروخ يكون رئيس الجمهورية مجرد "شاهد" او "خيال صحرا" معطلاً و"مرؤوسا" وموضع ابتزاز وتكون الحكومة كذلك بلا سلطة وبلا قرار… ومحكومة من بعض الداخل المرتهن بالخارج. ولهذا، وقف ميشال عون (هل يمكن ان يتصور شخص عنده حد معين من التسييس ان ميشال عون "قادر على ان يكون ديموقراطياً او مؤمناً بالتعدد او بالدولة). فهم يريدون ان يكون الرئيس بلا سند. ولا قوة ولا رأي وبلا حضور (كما كان اميل لحود تماماً):يريدون رئيساً يكون وديعة للوصايتين ولهذا يسعون بكل الوسائل الابتزازية والتافهة والتهويلية تعطيل سلطة الرئيس (وتالياً الحكومة بالطبع) ولهذا فان اعتراضهم على "الكتلة" الوسطية ليست فقط انقاذاّ للجنرال الغريق، وانما ضربٌ لموقع الرئيس سليمان (نكرّر: حماك الله يا فخامة الرئيس من هؤلاء القتلة والمجرمين المحترفين) لظنهم ان اي شريحة نيابية وشعبية تعزز صموده (في وجه التوصيات والوصايات الخارجية: تذكروا مؤتمر القمة في الدوحة… وما تلاه من غوغائيي المخابرات المعروفة ومن بعض الزلاعيم العميلة التي تهجمت على مقام الرئاسة بطلب مباشر من الخارج والخوارج) اي صمود الدولة في مواجهة الدويلات والبؤر الأمنية المستوردة وصمود الجيش في وجه الميليشيات وصمود الحكومة في وجه المبتزين (يكفي ان تتأملوا الطريقة الرخيصة التي يتعامل بعضهم مع الصناديق والمجالس لتتأكدوا من طينة هؤلاء) وصمود الشعب في وجه الترهيبيين…
الكتلة الوسطية من صلب الديموقراطية المتعددة، ومن صلب حرية المقاربة والانتماء والأفكار والمواقع…
اما ذوو "العقول" الأحادية فانهم لا يعترفون لا بديموقراطية ولا بالمعارضة ولا بالصوت الآخر.. ولا حتى بالوسطية: هؤلاء الآتون من الشموليات الاستبدادية ومن لمعان خوذ العسكر واشكال الحرس غير الثوري.. ليس عندهم سوى مرآة واحدة مسطحة بوجه واحد، وصوت واحد: هو صوت اربابهم، جالبي الكوارث والمآسي والقمع والقتل والخراب بشرفات عالية من انتصارات مزيفة!