التيار العوني يناقض نفسه في أساليب التعامل مع ظاهرة <الكتلة الوسطية>
تكثيف الحملات السياسية والتهديدات، يؤشر إلى مخاوف جدية من نجاحها
يناقض نواب في كتلة التغيير والاصلاح وكوادر في التيار العوني أنفسهم، عندما لا يتركون مناسبة، إلا ويهاجمون فيها مصطلح <الكتلة الوسطية> وينتقدون كل من يدعم هذا التوجه من السياسيين، وينعتونه بأوصاف وتسميات تهجمية ساخرة، في الوقت الذي يستهزئون فيه بمزايا الشخصيات المرشحة للانضواء إلى هذه الكتلة، والتقليل من إمكانية فوزهم في الانتخابات النيابية المرتقبة، أو تأثيرهم في مسار الحياة السياسية العامة·
هذا التناقض الفاضح في مواجهة التحركات الجارية لقيام <الكتلة المستقلة>، يُخفي في طيّاته مدى الضيق الذي يشعر به هؤلاء النواب وأنصارهم في التيار، من اتساع الاهتمام وتنامي التأييد، لمثل هذه الكتلة في نفوس الناس، بما يؤدي بالفعل إلى دعم هذه الشخصيات المستقلة المرشحة في الانتخابات المقبلة، وتوفير عوامل فوزها على حساب المرشحين المسيحيين المحسوبين على التيار العوني، بما يؤدي إلى تبديل الواقع السياسي القائم منذ الانتخابات النيابية في العام 2005، لغير مصلحة التيار العوني وحلفائه· وإلا، لماذا التهجم والاستخفاف بالشخصيات المحتملة للانضواء في حركة المرشحين المستقلين لخوض الانتخابات، وتعريتها من كل المؤهلات المطلوبة لخوضها غمار العمل السياسي، وصولاً إلى التقليل من أهمية حركتها في تغيير خريطة الانتشار السياسي الحالي؟·
فإذا كان المرشحون المستقلون بهذه المزايا والمواصفات التي يُنعتون بها من قبل نواب في تكتل التغيير والاصلاح وكوادر التيار العوني، ولا يؤثّرون في مجرى الانتخابات النيابية، فهذا يعني أنه لا لزوم لإعطائهم الأهمية المطلوبة وعلى المستويات التي تطالهم من كل النواحي، ولا يتطلب الأمر التعاطي معهم من خلال هذه الأساليب المتردية، أو شن الحملات المتواصلة ضدهم ومن خلال كل المنتديات السياسية والإعلامية، وتجييش الجهات المحلية والاقليمية المؤثرة والضاغطة، وتوجيه التهديدات المباشرة والمبطنة، لتطويق تحركاتهم ومنع تمددها وتفاعلها في مناطق نفوذ التيار العوني وحلفائه في المحور الإيراني – السوري قبل موعد إجراء الانتخابات النيابية، كما هو ظاهر في حركة هذه الجهات السياسية حالياً·
بل كان الأمر يتطلب نهجاً مختلفاً، وعدم إعطاء تحركات الشخصيات المستقلة أي اهتمام أو متابعة، وإنما كان الأجدى الاستخفاف بهذه التحركات، والتقليل من الإشارة إليها أو استهدافها كما يحصل في الوقت الحاضر، لأنها لا تشكل أي منافسة انتخابية جدية في المبارزة المحتملة، ولا تفعل فعلها في تبديل نتائج الانتخابات النيابية لغير صالح التيار العوني وحلفائه·
ولكن كل ما يمكن فعله لتجاوز حركة الشخصيات المستقلة والتقليل من أثرها في التنافس الانتخابي المرتقب، لم يحصل، بل أظهرت أساليب التعاطي المتبعة في مواجهة هذه <الظاهرة> المستجدة التي لم يكن يحسب حسابها في المعركة الانتخابية المقبلة، ان المخاوف القائمة من احتمال تأثيرها جدية جداً وفي غاية الأهمية، لا سيما بعد تلمس واقعي لتقبل شرائح الناخبين المسيحيين هذه الحركة المستجدة واندفاعهم الظاهري في التفاعل معها ودعمها وذلك في رد واضح ومعبّر عن الاستياء من الممارسات والخيارات التي انتهجها التيار العوني على مدى السنوات الأربع الماضية، خلافاً لرغبات وتوجهات هذه الشرائح·
لذلك، فان تعاطي التيار الوطني الحر وحلفائه مع حركة الكتلة الوسطية من خلال الأساليب المتبعة حالياً، لن يعود بالنفع المطلوب والنتائج المرجوة منه، لأنه كلما زاد التهجم واستهداف هذه الكتلة واتساع حملة انتقادها من دون أسباب منطقية ومبررات مقنعة، كلما زاد التعاطف الشعبي والتأييد لقيام مثل هذه الكتلة، لا سيما في ضوء اتساع حلقة الرفض المسيحي للحملات السياسية والإعلامية المبرمجة التي تستهدف الرموز المسيحية الوسطية والشخصيات التي تمثلها وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ميشال سليمان·
إزاء هذا الواقع الذي لم يعد بالإمكان طمسه أو تخبئته تحت وطأة الحملات السياسية والإعلامية المتواصلة لاستهداف ظاهرة <الكتلة الوسطية>، لا بد للتيار الوطني الحر من إعادة النظر بالنهج الذي اتبعه في التعاطي مع هذه <الظاهرة> المستجدة، انطلاقاً مما تمثله من ثقل سياسي وشعبي على الأرض، ووضع مقاربة مختلفة لخوض غمار الانتخابات السياسية على أساسها، لكي يستطيع تحقيق النتائج المطلوبة التي يتوخاها لمصلحته، لا سيما اذا كان على قناعة حقيقية بأن نهجه السياسي الذي اتبعه طوال السنوات الماضية، كان صائباً ويعبّر بالفعل عن توجهات ومشاعر الناخبين الذين منحوه تأييدهم في الانتخابات الماضية·
أما إذا استمر في تجنيد الحملات والانتقادات غير المنطقية ضد مسيرة الخيار الوسطي والاستعانة بأدوات الضغط الإيراني والسوري، التي تكشفت في أبشع صورها في تظاهرة عوكر، فهذا يعني أنه يعترف ضمناً بأن سلوكه السياسي منذ ترؤس النائب ميشال عون أكبر كتلة مسيحية بعد انتخابات العام 2005، لم تحظ برضى الناخب المسيحي ولا تعبّر عن قناعاته السياسية·
لذلك، فالأرجح أن يعتمد التيار العوني على خيار أدوات الضغط المذكور والذي يُنتظر أن يأخذ أشكالاً وأساليب مبتكرة، لأنه تلمّس من استقراء توجهات الناخبين المسيحيين انكفاءً ملحوظاً عن تأييده·