#adsense

إسرائيل تنجح في تحقيق أمنها وتعجز عن فرض سلامها

حجم الخط

هل انتهت حرب غزة إلى ما انتهت اليه حرب تموز في لبنان ؟
إسرائيل تنجح في تحقيق أمنها وتعجز عن فرض سلامها

كل الدلائل تشير حتى الآن الى أن حرب غزة ستنتهي الى ما انتهت اليه حرب تموز 2006 في لبنان، فاسرائيل لم تتمكن في الحربين من القضاء على البنية العسكرية لـ"حزب الله"، ولا لـحركة "حماس" وانما قضت على ألوف المدنيين بين قتلى وجرحى وعلى بنى تحتية ومرافق عامة ومزارع، ولم تستطع تالياً ان تفرض السلام الذي تريده لا على اللبنانيين ولا على الفلسطينيين لكنها استطاعت ان تفرض الأمن على حدودها وان لم يكن أمناً ثابتاً على بعضها.

ويقول ديبلوماسي لبناني تعليقاً على ذلك أن حروب اسرائيل مع العرب لم تكن حروباً لتحقيق سلام تدفع ثمنه انسحاباً من الاراضي العربية التي تحتلها، وهو ما لا تريده، انما لتحقيق امنها الذي يبقى فوق كل اعتبار وتجاريها في ذلك الولايات المتحدة الاميركية في كل العهود المتعاقبة اذ كانت دائماً مع أمن اسرائيل ومع حقها في الدفاع عن نفسها اذا ما اعتدي عليها وتعرضت لإطلاق صواريخ ولأعمال عنف.

وإذا كانت اسرائيل قد نجحت بعد حرب تموز بجعل حدودها مع لبنان هادئة بانتشار القوات الدولية والى جانبها الجيش اللبناني، وجعلت سلاح "حزب الله" بعيداً عن مرمى مستوطناتها، فانها لم تنجح في وقف دخول هذا السلاح اليه عبر الحدود السورية بحيث ستبقى اسرائيل في حالة قلق وحذر، فانها قد تنجح في منع دخول الاسلحة الى حركة "حماس" في غزة، لأن وضعها الجغرافي يختلف عن وضع "حزب الله" في لبنان. فحركة "حماس" محاطة جغرافياً بدول لا تساعد على دخول الأسلحة اليها براً وبحراً وجواً وان الاجراءات التي تتخذ دولياً سوف تمنع ذلك بحيث ان هذه الحركة تفقد مع الوقت قدرتها على المقاومة عندما لا تعود تملك لا السلاح ولا الذخيرة، وعندها تكون اسرائيل قد حققت الأمن على حدودها مع فلسطين كما حققته على حدودها مع لبنان، وان كان وضع "حزب الله" يختلف جغرافياً عن وضع حركة "حماس" إذ ان حدود لبنان المشتركة مع سوريا لا تزال مفتوحة ولو بصورة غير رسمية لدخول السلاح الى هذا الحزب ولإبقائه قادراً على مواجهة أي عدوان اسرائيلي وعلى تحريك جبهة الجنوب عندما تدعو الحاجة، وان يبقى الحزب تالياً رقماً صعباً في المعادلة السياسية في لبنان.

ويضيف الديبلوماسي نفسه انه يخطئ من يعتقد بان حروب اسرائيل مع العرب ومع الفلسطينيين كانت حروباً لتحقيق السلام اذا لم يكن سلام استسلام، إنما هي حروب لتحقيق أمنها وقد نجحت في ذلك من خلال حروب انتهت بينها وبين مصر بعقد اتفاق "كمب ديفيد"، وبينها وبين الاردن بعقد اتفاق "وادي عربة" وبينها وبين لبنان بعقد اتفاق هدنة وأخيراً بصدور قرار مجلس الأمن الرقم 1701 الذي اهم ما فيه تحقيق الأمن على حدود اسرائيل مع لبنان حتى وان ظل السلاح يدخل عبر سوريا الى "حزب الله"، وبعقد اتفاق فك اشتباك على الحدود مع سوريا يلتزمه الطرفان التزاماً تاماً. والمساعي العربية والدولية جادة حالياً للتوصل الى وقف اطلاق نار ثابت بين اسرائيل وقطاع غزة ومباشرة تنفيذ اجراءات منع دخول الاسلحة الى هذا القطاع وتحديداً الى حركة "حماس".

والسؤال المطروح هو: حتّاَم تستطيع اسرائيل المحافظة على حدود آمنة لها مع جيرانها اذا لم يتحقق السلام الشامل والعادل الذي وحده يجعل الأمن دائماً وثابتاً لها، ولكل دول المنطقة؟

الجواب هو في انتظار ما يستطيع ان يفعله المبعوث الاميركي جورج ميتشل بدءاً بالنزاع الاسرائيلي الفلسطيني باعتبار ان هذا النزاع هو لبّ ازمة الشرق الأوسط وقضية العرب، بدليل ان التوصل الى اتفاق سلام وان بارداً بين اسرائيل ومصر وبينها وبين الاردن لم يتوصل الى تحقيق سلام مع الجانب الفلسطيني، ولا التوصل الى تحقيق سلام بين اسرائيل وسوريا، يحقق السلام الشامل في المنطقة قبل تحقيقه مع الجانب الفلسطيني خصوصاً بعدما دخلت ايران على الخط وجعلت القضية الفلسطينية قضيتها تحقيقاً لاهدافها وطموحاتها…

والواقع انه عندما كان العرب يريدون السلام الشامل والعادل في المنطقة ولو بتقديم بعض التنازلات، كانت اسرائيل ترفض ذلك ظناً منها انها تستطيع بقوتها العسكرية الفائقة ان تفرض عليهم سلام الاستسلام، لكن تبين لها حتى بعد احتلال مزيد من الاراضي العربية والفلسطينية ان مثل هذا السلام غير ممكن، فاكتفت عندئذ بتحقيق الأمن على طول حدودها وان لم يكن احياناً غير ثابت وغير دائم. فهل اصبحت اسرائيل الآن مقتنعة بأن السلام الشامل والعادل مع العرب ومع الفلسطيني هو السبيل الوحيد الى أن تعيش كل دولة في المنطقة داخل حدود آمنة، وان يعم الرخاء والازدهار فيها؟

ما يخشاه الديبلوماسي اللبناني هو أن تصبح اسرائيل قابلة باتفاق سلام شامل وعادل تكون المبادرة العربية التي صدرت عن قمة بيروت عام 2002 اطاراً له، فيما يرفض العرب المتشددون بتحريض ايراني اي سلام لا يعيد للشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة، وللدول العربية كامل اراضيها المحتلة، وان يؤدي ذلك الى تجدد الخلاف بين العرب، حول أي مشروع سلام يريدون، وهو خلاف بدا في لقاء قمة غزة في الدوحة باعلان نعي مبادرة السلام العربية واعتبار مفاوضات السلام مع اسرائيل مفاوضات عبثية طال أمدها بدون نتيجة، وان ليس سوى المقاومة الشعبية المسلحة ما يوصل الى السلام الشامل والعادل وان ما اخذ بالقوة لا يستعاد إلا بالقوة… فهل نحن أمام حروب سلام جديدة بعد حروب الأمن أم أمام سلام حقيقي يضع حداً نهائياً للحروب؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل