أولويتان: ملء الشواغر وتحصين الانتخابات
على مدى شهر ونيف، انهمك لبنان الرسمي بأحداث غزة وتداعياتها، مما أدى الى ضآلة الاهتمام بالشأن الداخلي، حيث هناك مسائل عالقة ينبغي معالجتها في صورة دقيقة وبالسرعة اللازمة، على المستوى السياسي العام، لا سيما الاداري والأمني.
هناك شواغر متراكمة وكبيرة جداً في الادارات العامة، ينبغي ملؤها كلها دفعة واحدة بالطرق القانونية من قبل الحكومة، ولا حاجة اطلاقاً للبحث عن آليات خاصة تتم بموجبها التعيينات والشكليات، وهي بدعة جديدة راحت تعرقل في شكل خطير تصويب الوضع الاداري العام. عنصر الأهلية والكفاءة يجب أن يسود هنا. المحسوبيات ممنوعة، والتوازنات الطائفية في الادارات العامة لا يمكن أن تعني على الاطلاق توزيع الموظفين على هذا الفريق السياسي أو ذاك. الرئاسات والحكومات ومجالس النواب هي متحركة، فيما تبقى الادارة العامة، التي هي ملك الكل، ثابتة.
أما الأمر الثاني المطلوب التحضير له بصورة جدية وعملانية مدروسة هو الانتخابات التي ستجري في ربيع 2009. وهو استحقاق مصيري ينبغي أن يحصل بشكل هادئ، لا سيما على الصعيد الأمني.
الجو الراهن يشهد توتراً حول الموضوع، من هنا ضرورة استدراك المخاطر التي قد تعرقل اجراء العملية الانتخابية.
ترنح الطاولة
في 26 الجاري، عقدت المسماة "طاولة حور وطني"، اجتماعها الرابع في قصر بعبدا، ولم يصدر عنها أي قرار ملزم في ما يعود الى السلاح خارج المخيمات (وداخلها أيضاً) والى أحجية الاستراتيجية الدفاعية. البارز الوحيد شكلاً كان تحديد موعد الاجتماع الخامس في الثاني من آذار 2009، أي بعد 36 يوماً، مما يدل في حد ذاته على أن الطاولة هي عملياً مضيعة للوقت، لا أكثر ولا أقل.
طرحت حتى الآن مشاريع استراتيجيات، لم يناقش أي منها بصورة جديدة. المهمة موكولة الى لجنة "خبراء" سيجري توسيعها. "حزب الله" لم يطرح حتى الآن خطياً أي مشروع على الطاولة.
موقفه كان جلياً، عبر وسائل الاعلام: لا حوار في موضوع المقاومة، كما قال لجميع اللبنانيين في 25 الجاري، حيث قرأنا: "من يحاول مصادرة المقاومة.. يمارس جرماً ارهابياً". "المقاومة بعد العدوان على غزة هي أكثر قناعة بأن الخيار الوحيد المتاح أمام اللبنانيين هو ان يقووا مقاومتهم". "المعادلة الجديدة للحوار تكون حول تعميم استراتيجية المقاومة".
ما هو أبعد من الوسطية
من حيث المبدأ تجري الانتخابات النيابية في اي بلد في العالم، من خلال السيناريو التالي: ترشيح أشخاص، أياً كانوا، يفصل بينهم الناخب ويختار. والنتائج تؤدي الى قيام كتل نيابية.
ومن حيث المبدأ أيضاً لا يجوز استباق النتائج، بحيث يدور سجال عقيم حولها. وليس من الطبيعي أن يفرض أي منظر الخريطة النيابية. لا يحصي الصياد الذاهب الى الصيد سلفاً الطرائد، الممكن اصطيادها.
لكل كتلة نيابية قناعاتها وخلفياتها. والسجال القائم حول كتلة وسطية، تشغل بال المعارضة خصوصاً. الوسطية لها توجهات قائمة في حد ذاتها، وليست، في حال قيامها، بلا طعم أو لون، او الاسم الحركي لقوى 14 آذار، كما يقول ميشال عون. وليست في اي حال هامشية أو ثانوية.
وأقحمت المعارضة الرئيس ميشال سليمان عنوة، في الموضوع، من دون أن يدري هو أو يريد، في موضوع الكتلة الوسطية، التي ترعبها. لذلك طالب النائب السابق سليمان فرنجية الرئيس سليمان علناً باثبات عدم دخوله طرفاً في تلك الكتلة!.
ومن منطلق عقدة الخوف التي تتملك الأقلية، المعارضة، كان روج بعض أركانها بامكانية عدم اجراء الانتخابات لأسباب أمنية (امكانية حصول اغتيال جديد، من نوع اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري): بلاغ سوري مبطن.
وفي الآونة الأخيرة رحنا نشهد بعض الأحداث الأمنية هنا وهناك، تعتبر تحرشات للمعارضة: منها احراق بعض السيارات العائدة الى "لقاء الانتماء اللبناني"، وفي 27 الجاري، اعتداء مسلح لحزب الطاشناق على أحد مؤسسي "تجمع الأرمن الأحرار"، هيراغ اسحق اوكيان، بإطلاق النار عليه من مسدس حربي في محلة سد البوشرية، أصابه في عموده الفقري، ما أدى الى شلله تماماً.
حنين المعارضة
تحاول المعارضة احياء الأمجاد، التي سجلتها خلال عهد اميل لحود الممدد. عبرت عن ذلك عبر مظاهرة، لا علاقة فيها للقائمين بها، من حيث الجهة المقصودة والمكان، بالشأن اللبناني العام.
سجلها معروف منذ البداية: الخضوع التحكم لمشيئة الوصايتين السورية والايرانية، ومحاولة تقييمها على الجرائم الكبرى والاغتيالات السياسية والاضطرابات الأمنية المتلازمة معها.
سجلها معروف منذ البداية: الخضوع التام لمشيئة الوصايتين السورية والايرانية ومحاولة تعتيمها على الجرائم الكبرى والاغتيال السياسية والاضطرابات الامنية المتلازمة معها
هذا كان ماضي المعارضة القريب، وهي تصر على اتباع السياسة ذاتها، وهي تسعى الى متابعة مشوارها، من خلال وبعد الانتخابات النيابية المقبلة وصحوة الضمير مؤجلة الى ما لا نهاية عندها.
مناقصة بيع الطاولة
ليست السياسة لعب أولاد. في كل بلد في العالم، نجد نظاماً سياسياً واصول ممارسة السياسة.
على مستوى الأمن والخيارات الوطنية الكبرى، لا مكان لأي ممارسة تهدد أمن البلد واستقراره، ولأي سلوك سياسي مركز أو ممارس خارج اطار البلد الجغرافي.
دولة لبنان المستقلة لها حرمتها وقرارها الحر في كل المجالات. وسلطتها الرسمية تفرض ارادتها على كل أراضيها سلطاتها موزعة على الرئاسة الأولى والحكومة ومجلس النواب.
مسألة السلاح الاستراتيجي السياسي والدفاعي، تحميها السلطة اللبنانية، من دون أي شريك داخلي أو خارجي الطاولة، التي اخترعها فريق من السياسيين في قريب 2006، أثبتت بطلانها وعدم جدواها: جعلوا منها سلطة رديفة غير مقبولة للسلطة الرسمية.
ونطرح هنا بعض الأسئلة:
1 ـ هل نجد في أي بلد عربي غير لبنان، ترضى السلطة فيه وجود طاولة التي نشهدها في لبنان، يقتصر دروها الأساسي على الحرتقة على السلطة الرسمية.
2 ـ هل نجد في اي بلد في العالم، الديموقراطي أو القمعي "طاولة حوار" من الطراز اللبناني.
3 ـ ما يمارس في لبنان هو بدعة حان طي صفحتها الى الأبد لا يجوز أن تضم أي حكومة في صفوفها "لغم" معطل. الأكثرية تحكم والأقلية ترضخ. وعلى الأرض السلام!.
اقتراح: اجراء مناقصة عالمية لبيع "طاولة الحوار" اللبنانية.
كيف؟
نشر إعلان رسمي في "الجريدة الرسمية" موجّه الى سائر دول العالم: عنوانه بيع الطاولة لمن يشاء، وسنرى اذا كان هناك أي دولة في العالم ستشارك في المناقصة.
بالطبع، لن تحضر أي دولة ولن تلبي الدعوة ولن تشارك في المناقصة، وان شارك أحد: سيقول: شكراً مجانين أنتم، احتفظوا بجرصة طاولتكم. عودوا الى رشدكم، نأبى أن نبتلي ـ بما نكبتم به.
ربما تدفع هذه المناقصة انصار الطاولة والمتطاولين على بلدهم الى اجراء حد أدنى من فحص الضمير، بحيث يعودون الى الصراط المستقيم في كل ما يقولونه ويفعلون ويمارسون من أخطاء جسيمة، تلامس الاجرام في حق بلدهم، ويحترمون هوية وطنه وكرامته.
واذا كان عملهم الدؤوب يتمحور أساساًحول جر لبنان الى أن يكون شريكاً في محور جحيم الحلف السوري ـ الايراني، الذي يسعى الى تدمير لبنان بجميع الوسائل المتاحة، فالمطلوب الآن منهم أن يطلبوا الغفران ويعدلوا عن تلك المغامرة القذرة.
واذا تمادوا في غيّهم، يكون الحل الجذري عند غيرهم. شرفاء الوطن، الذين تنطق باسمهم "ثورة الأرز" والمستقلون ـ شكلاً وعمقاً، الرافضون أصلاً أي اصطفاف وراء أي فريق مغامر ومتاجر ببلده.
شعب لبنان وناخبوه مدعوون الى اجراء المقتضى في انتخابات حزيران المقبل، ومن يتخلى عن القيام بواجبه الوطني وحده يُلام.